بين يدي رمضان (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جعل الله -سبحانه وتعالى- لهذه الأمة مواسم الخير التي تتذكر فيها آخرتها، وتعد عدتها للقاء الله -عز وجل-؛ الذي جعل بين يدي رمضان شهر شعبان الذي كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يبيِّن فضل الصيام فيه بأنه شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى الله، ويحب أن يُرفع عمله وهو صائم، خاصة مع غفلة الناس عن هذا الشهر بيْن رجب ورمضان، وجعل الله فيه ليلة النصف مِن شعبان ليستدرك الإنسان ما قد يحدث في قلبه مِن غلٍّ أو حسد أو غش للمسلمين؛ فيداوي قلبه مِن ذلك حتى تأتي عليه ليلة النصف التي أخبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه يغفر الله فيها لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن؛ فيكون مِن المغفور له بإذن الله -تعالى-.
ولابد أن ننتبه هنا إلى أن البغض في الله -عَزَّ وَجَلَّ- ليس مِن المُشاحَنة المذمومة، فإنه عبادة لله -سبحانه وتعالى-؛ فمَن أبغض الكافر لِكُفره والفاسق لفسقه، والمبتدِع لبدعته، والعاصي لمعصيته لا يكون داخلًا في الوعيد، وإن كان في كثير مِن الأمور يحصل نوع مِن النزاع الذي يأخذ شكلًا دينيًّا، لكن يدخل فيه نوع مِن حظ النفس؛ فلا بد أن يحذر الإنسان على نفسه مِن ذلك، وليوطِّن نفسه أنه إذا تاب الكافر مِن كفره، والمبتدِع من بدعته، والعاصي مِن معصيته؛ فهو أخونا في الدين، ويوطِّن نفسه على حبه إن فعل ذلك، كما قال ربنا -عَزَّ وَجَلَّ-: ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (التوبة:11) ، وهذا المعنى به يتخلص الإنسان مِن حظِّ نفسه في النزاعات التي يكون فيها ظاهر الاختلاف بسبب الدين مع أهل الكفر والفسوق والبدع.
والله -سبحانه وتعالى- جعل سلامة القلب مِن أعظم وأهم الأمور التي يُسعى إليها في شهر رمضان؛ فلنتذاكر معًا بيْن يدي هذا الشهر بعض الأمور المتعلقة به، فإن من رحمة الله -عَزَّ وَجَلَّ- بعباده المؤمنين أن يَسَّرَ لهم وشرع لهم ما يُحَصِّلون به غاية وجودهم التي أوجدهم الله -عَزَّ وَجَلَّ- من أجلها، وهي تحقيق عبادة الله وتقواه، قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) ، فالعبادات شرعها الله -عَزَّ وَجَلَّ- لتحصل التقوى التي هي حال القلب المؤمن، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) (رواه مسلم) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) .
وهذا مِن رحمة الله -عَزَّ وَجَلَّ- بعباده، وهو أنه -عَزَّ وَجَلَّ- شرع لهم ما يحصلون به التقوى، والصيام مِن أعظم العبادات التي يحصل بها المؤمن التقوى؛ فيتطهر قلبه ويَسلم، ولا ينجو إلا مَن سلم قلبه لله -عَزَّ وَجَلَّ-، كما قال الخليل -عليه السلام-: ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء:88-89) .
وإن الإنسان لتشغله حياته عن تحصيل حياة قلبه؛ فيتردى في مدارك الحيوانية أو الشيطانية -والعياذ بالله-، على تفاوت الناس في أعمالهم وأخلاقهم، وذلك مبدؤه مِن طمع الإنسان وحرصه على ما لا يحتاج إليه؛ فهناك احتياجات فطر الله الإنسان على طلبها وعلى أن تستمر حياته بها، ولكن كثيرًا مِن الناس يطلب المزيد والفضول في هذه الأشياء؛ فيترتب على ذلك أن ينشغل.
ومِن أعظم ذلك: الطعام والشراب، والشهوة الجنسية، وكذلك حب المال، وكذلك الخلطة بالخلق، وكذلك تعلق القلب بالراحة والكسل، وضعف العزيمة عن الانطلاق في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فتكون راحة البدن سببًا في كسل الإنسان، وعدم عزم قلبه على طاعة الله، فيتعلق قلبه بالراحة والسكون إلى الأرض والإخلاد إليها.
فهذه مداخل الشيطان، منها يدخل إلى الإنسان، يتدرج به مِن مقام الإنسانية إلى أن يكون كالحيوان البهيم الذي لا يعقل ولا يفهم، ويكون أضل منه -والعياذ بالله- كما قال -عز وجل-: ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) (الفرقان:44) ، حين يصبح هدف الإنسان مِن الحياة أن يطعم ويشرب، وأن يتناكح ويتناسل، ولا شيء غير ذلك يشغله في هذه الحياة، ولا يريد شيئًا آخر، وتصبح أعماله كلها موجهة إلى هذه الغايات!
ومَن ينظر إلى أنظمة الحياة التي يعيشها الناس في الشرق والغرب بعيدًا عن دين الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ الحياة التي يروج لها إعلام الغرب الخارج عن دين الله -عَزَّ وَجَلَّ- ومَن يوافقه مِن الكفرة والمنافقين في سائر أرجاء الأرض؛ يرى أنهم يروجون لحياة -والعياذ بالله- هي أشبه بحياة البهائم وأقرب إليها، بل وأسوأ منها.
فإذا وصل الإنسان إلى ذلك، تدرج به الشيطان حتى يوصله إلى الحياة الشيطانية: مِن الكِبر، وإرادة الفساد في الأرض؛ فيجمع بيْن العلو والفساد معًا، فهو لا يريد أن يأكل ويشرب وينكح فقط، وإنما يريد أن يعلو ويتكبر! وحب المال والرياسة غالبًا ما يكون في هذا الجانب إذا زاد عن الحدِّ.
وذلك أيضًا يكون بالخلطة بالناس الخلطة المذمومة؛ فالذي يختلط بالناس ليحصل على مدحهم أو يفر مِن ذمهم ويراعيهم على حساب حق الله -عَزَّ وَجَلَّ- يتدرج به الشيطان إلى أن يملأ قلبه بالكبر والرياء والسمعة، وأن يملأ قلبه بإرادة الفساد؛ فإن قلب الإنسان لا يتسع لوجهتين: فإما أن يكون قلبه لله -عَزَّ وَجَلَّ-، وإما أن يتحول إلى شيطانٍ مريدٍ.
وشرع الله -عَزَّ وَجَلَّ- لنا ما نتحكم به في شهواتنا، وما نتحكم به في هذه الفضول؛ لكي يكون الإنسان هو الذي يوجه إراداته ورغباته إلى ما يحبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- ويرضاه، وذلك بعون الله وتوفيقه، وهو -عَزَّ وَجَلَّ- مقلِّب القلوب، يقلب قلوب عباده كيف يشاء؛ فشرع لهم الدعاء ليطلبوا منه الهداية والإعانة والتوفيق.
