بين يدي رمضان (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
لذلك كان شهر رمضان رحمة مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- بعباده ليحصلوا كل هذه الأمور، وشرع الله -عَزَّ وَجَلَّ- فيه مِن الصيام عن الطعام والشراب والشهوة المحرمة، حتى الشهوة التي أباحها الله -عَزَّ وَجَلَّ- في غير نهار رمضان جعلها في نهاره محرمة؛ ليكون الإنسان أملك لإربه ولنفسه، فإذا كان يمتنع مِن الحلال في النهار فهو أملك أن يمتنع عما حرم الله مطلقًا في الليل والنهار: مِن الفروج المحرمة، والنظر إلى العورات المكشوفة، وغير ذلك مِن الشهوات.
إذا تحكم الإنسان في هذه الشهوات ثم علم أن مِن آداب الصيام ومِن واجباته أن يمتنع عن قول الزور، والغيبة والنميمة، والعمل بكل باطل، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) ، وقال: ( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وقال الألباني: "حسن صحيح") ؛ فمَن لم يصن سمعه، وبصره، وآذى جيرانه ومَن حوله، واغتاب ونَمَّ؛ لم يكن صائمًا الصوم المشروع!
وهذه هي خُلطة الفساد التي يفسد الإنسان بها فيما حوله؛ فهذا ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، كما قال أصحاب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك، ودع أذى الجار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء!".
ثم إذا اقترب الشهر مِن نهايته في الثلث الأخير شُرِع الاعتكاف؛ ليتخلص الإنسان مِن فضول الاختلاط المباح؛ بالإضافة إلى أنه تخلص في أثنائه مِن الاختلاط المحرم، فإذا اعتكف في المسجد إلى آخر الشهر كان ذلك عونًا له على تحصيل حياة قلبه، وإخلاصه لله.
وقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يعتكف العشر الأواخر مِن رمضان، ويلتمس ليلة القدر، التي قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (القدر:3) ، ثم شرع في أثناء رمضان وفي خاتمته خصوصًا إنفاق الأموال في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فالصدقة في رمضان مضاعفة كما تضاعف الأعمال الأخرى، وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل -عليه السلام- فيدارسه القرآن، فكان الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أجود بالخير مِن الريح المُرسَلة.
وشرع في آخر رمضان وجوبًا صدقة الفطر، عن كل صغير وكبير، وحُر وعبد، وذكر وأنثى مِن المسلمين؛ فإذا تمكن الإنسان مِن هذه النفقات تمكن مِن التخلص مِن تعلق القلب بالمال، وتخلص مِن عبودية الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة، وكذلك شرع له أن يفطر الصائمين: ( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وذلك ولو حتى على شربة ماء أو تمرات أو غير ذلك، وليس المقصود ساعة الفطر فقط، بل يدخل في ذلك كل طعام يُطعمه إياه؛ فلا يتحتم ليأخذ الإنسان أجر الصائم أن يكون الذي أطعمه ساعة فطره دون ما يلي ذلك، فلو كان يفطره -مثلًا- على تمرات ثم يطعمه بعد ذلك؛ فكل ذلك داخل في إفطار الصائم.
وهذا يعوِّد المسلم حب إخوانه، وسلامة صدره لهم، والحرص على الخير لإخوانه المسلمين، والشعور بمشاعرهم، ومشاركة بعضهم بعضًا هذه المشاعر الطيبة التي تدل على حياة هذا الجسد الواحد الذي وصف النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حال المسلمين بتشبيهه به، فقال: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم) ، وشرع كذلك في شهر رمضان الإمساك عن فضول الكلام، وذلك أن الإنسان إذا تكلم كثيرًا كان ذلك مِن أسباب وقوعه في الباطل غالبًا؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) (متفق عليه) ؛ ولذا كان انشغال السلف بالقرآن في شهر رمضان، وذلك لأنه يشغل الإنسان بالطاعة ويوقد في قلبه حقائق الإيمان، وينور صدره وقلبه بنور الله -عَزَّ وَجَلَّ- المنزل مِن عنده -سبحانه وتعالى-؛ فيهتدي الإنسان إلى الصراط المستقيم، ويتغير سلوكه وتتغير حياته إلى ما يحب الله -عَزَّ وَجَلَّ- ويرضى.
وكلما أكثر الإنسان مِن تلاوة القرآن وتدبره استيقظ مِن غفلته، وأدرك أن الحياة هي أقصر ما يكون، وأضيق ما يكون، وأصغر ما يكون، وأن الحياة الحقيقية ليست في هذه الدنيا، وإنما هي في الدار الآخرة: ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت:64) .
وكذلك شرع لنا في رمضان أن نتحكم في أنفسنا في قضية الكسل وكثرة النوم؛ ففضول النوم مطلوب تركه لما شرع الله -عَزَّ وَجَلَّ- لنا مِن القيام؛ فليكن هذا الشهر فرصة لنا لتحقيق التقوى.
