بين يدي رمضان (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
إن أسباب تهذيب النفس وإصلاحها تدور حول هذه الأشياء، وإن الناس قد سلكوا في ذلك مسالك مختلفة؛ فتجد مَن يحرم نفسه تمامًا مِن اللذات، ويصوم عمره كله عما أباحه الله -عَزَّ وَجَلَّ-: كالرهبان في الصوامع مِن الأديان المختلفة، الذين أوجبوا على أنفسهم الحرمان التام، وحرَّموا على أنفسهم طيبات ما أحلَّ الله لهم، وفي الحقيقة دخل الشيطان إليهم مِن أبواب الرياء، والكبر والعجب، وإرادة الشهرة بيْن الناس، وغير ذلك مما هو معلوم عندهم، كما أن الشهوات لم تنتهِ ولم تضمحل مِن نفوسهم، بل لا يزالون يتطلعون إليها؛ وكان الكثير منهم يقع فيها مِن وراء الناس، وأما الإسلام فقد جاء بهذه الوسطية الخيرية التي يجمع الإنسان فيها بيْن تحصيل أعظم أسباب الصلاح ودفع المضار، والتوازن بيْن الروح والبدن والوسطية بيْن الإفراط والتفريط، وبيْن الغلو والتقصير؛ فيحصل للإنسان مِن أسباب التقوى والهداية ما لا يدركه في غير هذا الشهر الكريم، وقد جمع الله -عَزَّ وَجَلَّ- فيه أسباب التقوى لأهل الإسلام: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) .
هذا يقتضي منا اهتمامًا بالغًا بإصلاح القلوب، وإصلاح الألسنة، وإصلاح الأخلاق؛ فإن لم تصلح في رمضان فمتى تصلح إذن؟! ولكن التوفيق بيد الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وصدق الرغبة فيما عند الله، وصدق الالتجاء إليه في أن يهيئنا ويمدنا بأسباب فضله، وأن نعلم أن الأمر ليس بأيدينا؛ إنما هو بتوفيق الله وإعانته، فإذا لجأنا إليه أعاننا ووفقنا.
فاللهم بَلِّغْنا رمضان، وأعِنَّا فيه على الصيام والقيام والاعتكاف وتلاوة القرآن، ووفِّقنا وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
