شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

القلب في القرآن الكريم (2-3) صحة القلب وسلامته

الشيخ علاء بكر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالقلب الصحيح السليم: هو قلب طاهر زكي، مملوء بالإيمان والتوحيد، سالم من الشرك المناقض للتوحيد، مملوء بالعلم النافع، وسالم من الجهل بربه وشرعه، متواضع وخاضع لربه، سالم من الكبر، دائم الذكر لربه، سالم من الغفلة عنه، مقبل على الطاعات والعمل للآخرة غير متعلق بحطام الدنيا، فيأخذ من الدنيا ما يكفيه ويتجنب منها ما يطغيه، وهو متجمل بمكارم الأخلاق، سالم من الأخلاق الرديئة السيئة، متجنب للشهوات المخالفة للشرع، سالم من الشبهات المناقضة للصراط المستقيم، مداوم على التوبة النصوح والاستغفار لمحو المواد الفاسدة التي قد تعرض له من حين لآخر. وهمه تصحيح العمل وإخلاص النية لله فيه، مع متابعة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فسعادة العبد في أن يجمع الله -تعالى- له بين حياة قلبه وسلامته، وبين نور الله (الهدى) الذي يمشي به في حياته؛ قال -تعالى-: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْهَا ) (الأنعام: 122) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) (فاطر: 22) ، وقال -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) (الزمر: 22) .

وغذاء القلب الروحي المعنوي الذي يحفظ له حياته وسلامته يتمثل في المداومة على ذكر الله -تعالى-، وفي تدبر آيات القرآن الكريم، قال -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد: 28) . وقال -تعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) (الإسراء: 82) .

- وتقوم القلوب السليمة على ثلاثة أركان ودعائم بينها ترابط وتلازم لا ينفك، وهي: محبة الله -تعالى-، والخوف منه، والرجاء فيه:

محبة القلب لله -تعالى-:

- وهي أوثق الأركان والدعائم الثلاثة وأقواها؛ لذلك تستمر وتبقى مع المؤمنين في الجنة، بينما يذهب الخوف عن أهل الجنة، وقد نالوا رضا الله الدائم عليهم، -رضي الله عنهم- ورضوا عنه، ولا يكون لهم مع نعيم الجنة مطمع أو مطلب في نعيم آخر؛ قال -تعالى-: ( يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) (الزخرف: 68) ، وقال -تعالى-: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (يونس: 62) .

- وقد فرض الله -تعالى- محبته على عباده وجعلها مقدمة على جميع المحبوبات الأخرى مهما كانت، وتوعد من يقدم محبة أخرى على محبته -تعالى-، قال -تعالى-: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) (التوبة: 24) ، وأخبر -تعالى- عن عباده المؤمنين أنه يحبهم وأنهم يحبونه، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (المائدة: 54) ، وأخبر بشدة محبة المؤمنين له -تعالى- قال -تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) (البقرة: 165) .

خوف القلب من الله -تعالى-:

وهو منزلة عالية من الخضوع لله -تعالى-، وقد أوجب الله -تعالى- على عباده الخوف منه؛ قال -تعالى-: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (البقرة: 40) ، وقال -تعالى-: ( فَلَا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 175) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) (البروج: 12) ، وقال -تعالى-: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (آل عمران: 28) ، وقال -تعالى-: ( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (الرحمن: 46) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) (الملك: 12) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون: 57-61) .

وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكارَى وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) (الحج: 1-2) ، وقال -تعالى-: ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) (الإسراء: 109) ، وقال الله -تعالى-: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (البينة: 8) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

رجاء القلب في الله -تعالى-:

الصفحة التالية