القلب في القرآن الكريم (2-3) صحة القلب وسلامته
الشيخ علاء بكر • التزكية
وهو تعلق القلب رغبةً وطمعًا بالله -تعالى-، وهو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده بعد الأخذ بأسبابه، وهذا من صفات أهل الإيمان؛ قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ) (البقرة: 218) ، وقال -تعالى-: ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) (الأعراف: 56) ، وقال -تعالى-: ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) (الزمر: 9) ، وقال -تعالى-: ( تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (السجدة: 16) .
- فلا تتم عبادة الله -تعالى- وتكمل إلا بالجمع بين الخوف والرجاء معًا، فبالخوف ينكف العبد عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات والدعاء. فالخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر لا يحلق إلا بهما؛ قال -تعالى-: ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) (الحجر: 49-50) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ ) (متفق عليه) .
غذاء القلب وأسباب استمرار حياته:
هناك عوامل كثيرة تغذي القلب وتؤثر بقوة على صلاحه وانقياده؛ منها:
1- المداومة على طلب العلم الداعم للإيمان بالله واليوم الآخر:
قال الله -تعالى-: ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) (طه: 114) . والعلم الذي ينتفع به القلب، ومنه يكون غذاؤه وبه يكون صلاحه وسلامته هو: العلم بالوحي المنزل من عند الله -تعالى-، والعلم بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع التأمل في آيات الله -تعالى- الكونية المشهودة الدالة على وجود الله -تعالى- وعظمته وقدرته وسلطانه واستحقاقه للعبادة وحده دون من سواه؛ قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) (النساء: 174) .
وقال -تعالى-: ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) (التغابن: 8) . والمراد بالنور هنا: القرآن الكريم، وهو نور؛ لأنه يهتدى به في ظلمة الجهالة والضلالة، ويعرف به الحلال والحرام، قال -تعالى-: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْهَا . كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام: 122) ، وقال -تعالى-: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف: 157) ، وقال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابَ وَلَا الْإِيمَانَ وَلُكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) (الشورى: 52) .
- وخشية العبد من الله -تعالى- هي على قدر علمه بالله، قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر: 28) ، فإذا تحقق للعبد الاهتداء إلى ربه جل شأنه والعلم به -سبحانه-، كان سببًا في استقرار الخشية في القلب، إذ الخشية تابعة للعلم.
- ومن الآيات التي تشير إلى أثر العلم في حياة القلب: قوله -تعالى-: ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ) (الحج: 54) ، فقد بينت الآية الكريمة أن المتصفين بالعلم يوقنون بأن القرآن المنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الحق الظاهر بلا شك أو ريب، فيعظم إيمانهم به.
وثمرة ذلك: إخبات قلوبهم لما يتضمنه الوحي الإلهي من البيان والهدى، اطمئنانًا به، وخشوعًا وخضوعًا وطاعةً وانقيادًا له. (ينظر: طاعة القلوب لعلام الغيوب، إعداد محمد محمود حماد، ص 102) .
- وقد ضرب الله -جل وعلا- مثلًا لأثر الوحي المتضمن للعلم والهدى في حياة القلب وضيائه وصلاحه، وذلك في قوله -سبحانه-: ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ) (الرعد: 17) ، ففي معنى الآية يرى عدد من المفسرين أنها مشتملة على تشبيه للعلم الذي تحيا به القلوب وتستضيء بالماء النازل من السماء تحيا به الأرض والأبدان، وتشبيه القلوب التي هي أوعية للعلم ومحل له بالأودية التي هي محل الماء. (ينظر المصدر السابق، ص 103) .
- وفي قوله -تعالى-: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال: 24) . والمراد بالحياة في هذه الآية الكريمة حياة القلوب وسعادتها واستنارتها وضياؤها، ونجاتها من الشقاء، وسلامتها من ظلمة الجهل وعمى البصيرة. وسبيل هذه الحياة هو الاستجابة لله ورسوله وطاعتهما، وذلك بالتزام القرآن والسنة، امتثالًا للأمر؛ قال الله -تعالى-: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (آل عمران: 132) .
