شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

العصبية الفارسية ودورها في مضاعفة خطر بدعة التشيع (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعبر عدة عقود استسهل كثيرٌ من الإسلاميين أن يُوصف النظام الإيراني بأنه الخادم الأمين للمشروع "الصهوأمريكي"، وبالتالي فكلما حدثت حلقة من حلقات الصراع بين الطرفين سارع هؤلاء إلى التأكيد على أنها تمثيلية.

والواقع أن النظام الإيراني المعاصر شديد التعصب لمذهبه الشيعي، وهذا المذهب يرى أن أهل السنة أكفر من الكفار الأصليين؛ ومِن ثَمَّ فطبيعي جدًّا بالنسبة للنظام الإيراني أنه لو وجد مجالًا للتحالف مع هؤلاء الكفار ضد أهل السُّنة أن يتحالف معهم ضد أهل السنة الذين يمثِّلون خصمًا مشتركًا لهما؛ كما أن هذا النظام -لاعتبارات قومية ثم لاعتبارات أيضًا تتعلق بهذا المذهب الشيعي- لديه غلو في التعصب للقومية الفارسية، ومِن ثَمَّ تحالفت الدولة الصفوية -الأب الروحي للنظام الإيراني المعاصر- مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية في قضية وجودية للعالم الإسلامي ككل!

إذًا ليس في تحالف إيران مع الغرب ضد السنة أي شيء يمكن استغرابه؛ فهو أمر يسير في مساره الطبيعي -من كونه اجتماعًا على عدو مشترك-؛ صحيح أن هناك بعض صور التعاون يكون فيها أحد الأطراف تابعًا بشكل كامل للآخر (كحالة حزب الله مع إيران مثلًا)، أو يكون تابعًا بنسبة كبيرة جدًّا (كحالة الحوثيين مع إيران مثلًا).

الصراع الإيراني الصهيوأمريكي وأبعاده الإستراتيجية:

ولكن في حالة النظام الإيراني مع الجانب الصهيوأمريكي ليس الأمر كذلك؛ لأن العداء للسنة وإن مثَّل مساحة مشتركة بين الجانبين، ولكن في المقابل يوجد بينهما صراع شديد بسبب رغبة إيران في استعادة الإمبراطورية الفارسية، ورغبتها من أجل ذلك في امتلاك السلاح النووي، ومؤخرًا رغبتها في الدخول في تحالف مع الصين وروسيا لتكوين قوة عالمية جديدة صاعدة.

وكان النظام الإيراني يراهن على أنه كلما قدَّم خدمات كبيرة في جانب معاداة السنة، كانت أمريكا أكثر مرونة معه في الآخر؛ كما تحدَّث أحمدي نجاد -الرئيس الإيراني الأسبق- عن تلك الخدمات الجليلة التي قدَّمتها بلاده لأمريكا في العراق وأفغانستان (هي خدمة بلغة المصالح، وواجب ديني بلغة الانحراف الشيعي، ولكن توصيفها الصحيح: أنها خيانة للأمة)، ولكن أمريكا لا تريد دولة نووية جديدة خشية من أن تتحالف حينها مع روسيا والصين بشكل مباشر، أو تحاول هي أن تكون شرطي المنطقة؛ فضلًا عن التخوفات الإسرائيلية من وجود أي قوة عسكرية لدولة عربية أو إسلامية، حتى ولو كان نظامها معاديًا لجمهور المسلمين من أهل السنة.

القدرات العسكرية الإيرانية والحرب بالوكالة:

لقد أثبتت الأحداث أن النظام الإيراني أنفق على الملف النووي، وعلى أنواع معينة من التسليح دون أن يهتم بتكامل احتياجاته العسكرية، ومن أبرزها: الدفاع الجوي مثلًا.

ومن الواضح أن النظام الإيراني اكتفى بتكوين ميليشيات مجاورة لإسرائيل (أبرزها حزب الله) لكي تكون جاهزة للحرب بالوكالة بدلًا من إيران، وعلى أرض غير أراضي إيران، وهذا ما فتح شهيته لتكوين أذرع أخرى ما بين الحوثيين في اليمن، والحشد الشيعي في العراق. وحاولت مع الفصائل الفلسطينية، وللأسف وصلت لمراحل ما من الارتباط لم ترقَ إلى أن تكون أذرعًا، ولكن حملت بعض فصائل المقاومة الفلسطينية على الترويج الدائم لإيران وتصويرها على أنها منشغلة بهموم العالم الإسلامي (سوف نخصص مقالًا لمناقشة الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية -إن شاء الله-).

واستمر الحال على هذا فترة طويلة: كلما وصل الخلاف "الأمريكي - الإيراني" إلى طريق مسدود، تحدث حرب بالوكالة بين إسرائيل وحزب الله، وكان من أبرزها: ما حدث في عام 2006م.

المتغيرات الأخيرة والضربات المباشرة:

حتى كانت أحداث السنتين الأخيرتين، واستطاعت فيهما إسرائيل أن تحدَّ جدًّا من قدرات حزب الله وغيره، ومِن ثَمَّ كانت الجرأة على توجيه ضربات مباشرة لإيران تصاعدت وتيرتها حتى كانت تلك الموجة الأخيرة، والتي انتهت بمقتل المرشد الإيراني، وعدد كبير من القادة.

وفي حركة غلفتها إيران بدعوى أنها تضرب القواعد الأمريكية في بلاد الخليج، وفي الواقع إنه مما نجحت فيه أمريكا أن توهم الدول النفطية أنها واقعة تحت تهديد إيراني أو روسي، ومِن ثَمَّ فلا أمان لها إلا بإقامة قواعد أمريكية على أراضيها، وهي فكرة كانت تحتاج إلى الكثير من البحث من كافة الاتجاهات، بل الذي حدث أنها أصبحت ذريعة لتهديد حقيقي، وهو أمر ممكن أن يتكرر من أي أحد يكون في حالة حرب مع أمريكا، ولعل هذا المعنى أن يكون حاضرًا في ذهن متخذي القرار في البلاد العربية، ولكن الذريعة الإيرانية لا تنسجم مع الواقع؛ حيث كانت معظم الضربات الإيرانية موجهة إلى أهداف غير القواعد الأمريكية، بل إلى أهداف غير عسكرية أصلًا.

ولا ندري: هل الضربات الإيرانية للدول العربية جاءت كنوع من تهدئة الداخل الإيراني أن هناك ردًّا على العدوان الأمريكي حتى لو غير مباشر، أم جاءت من باب استدراج الدول العربية للدخول في صراع عسكري معها لعله يشجع أمريكا على التراجع والاكتفاء بدور المحرض الذي يبيع أسلحة للطرفين كما فعلت في حرب العراق وإيران؟!

نصيحة للدول العربية والتعامل مع الموقف:

وعلى أيٍّ فالنصيحة للدول العربية ألا تستدرج لهذا الصراع، وأن تنشغل وبأقصى سرعة ممكنة بترميم العلاقات العربية - العربية والعلاقات بين الدول الإسلامية بصفة عامة، وأن يهرعوا إلى التوجيه القرآني: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران: 103) .

وفي ظل الجرائم الشيعية المتواصلة ضد أهل السنة، وجدنا بعض مَن أظهر الفرح بالضرب الصهيوأمريكي لإيران -لا سيما في بلاد سوريا-، ولكن من يفرح لهذا يغفل أن الانتساب العام لكلمة "لا إله إلا الله" له حق طالما لم يأتِ قائلها بناقض لها، بل حتى لو أتى بناقض مما يحتمل التأويل لا يكفَّر حتى تقام عليه الحجة (والشائع من أقوال الشيعة "الاثني عشرية" أنه من هذا القبيل، بخلاف الشيعة "السبئية" ومن قال بأقوالهم من باقي الشيعة).

الصفحة التالية