شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

القلب في القرآن الكريم (3-3) مرض القلب واعتلاله

الشيخ علاء بكر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فاعتلال القلب ومرضه يكون بفقد القلب لقدرته أو بعضها على أداء وظائفه المنوطة به شرعًا.

أمراض القلوب على ضربين:

1- ضرب لا يتألم به صاحبُه في الحال، كما في مرض الجهل ومرض الشهوات؛ حيث إن الجهل والهوى يحولان بين القلب وإدراك الألم، وهذا مكمن الخطورة؛ فقد يتفاقم المرض حتى يموت القلب وصاحبُه لا يشعر بموته، ومدار علاجه في العلم بما جاء به الشرع واتباعه.

2- ضرب مؤلم لصاحبه في الحال، يصيب القلب كما يصيب البدن، كما في حال الحزن والغيظ، وعلاجه في إزالة أسبابه.

وقد يشعر المرء بمرض قلبه، لكن يشتد عليه تحمل مرارة العلاج، فربما آثر بقاء الألم الذي يشعر به على المداومة على العلاج، والصبر على الدواء. وليس على النفس أشد صعوبة من مخالفة الهوى، وليس للنفس أنفع لها إن أرادت السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة من مخالفة الهوى.

من علامات مرض القلب:

- أنه لا تؤلمه المعاصي؛ فالقلب الصحيح يتوجع باقتراف المعصية ويحدث لها الاستغفار والتوبة، قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (الأعراف: 201) ، وقال -تعالى- في المتقين: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) (آل عمران: 135) .

- أنه لا يحزنه ما هو عليه من الجهل بالحق أو نقص في العلم، خاصة حال ورود الشبهات ووقوع الفتن والملمات، والتي يشتد عندها طلب العلم النافع ومراجعة العلماء الأثبات. قيل للإمام سهل -رحمه الله-: "يا أبا محمد، أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل".

- أنه يعرض عن سماع القرآن وتلاوته، بينما يقبل على الغناء ومجالس اللغو واللهو، وكلما سلم القلب أحب العبد ما يحبه الله -تعالى-، وكلما مرض القلب أقبل العبد على ما لا يحبه الله، وما نهى عنه رسولُه -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: ( وَلُكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْعُصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) (الحجرات: 7) .

ما يحجب القلب عن الرب:

والأمور التي تحجب القلب عن الرب تنشأ من موافقة النفس في رغباتها وملذاتها، أو موافقة الشيطان في وساوسه وخواطره، أو حب متاع الدنيا والتعلق بها، أو اتباع الهوى وتقديمه على الشرع.

وهي توجب على المرء للنجاة والتخلص من مغباتها وعواقبها مراعاة:

- محاربة الشيطان بتجنب تتبع خطواته، وبمخالفة وساوسه وخطراته، والاستعاذة بالله -تعالى- منه.

- الزهد في الدنيا وإخراجها من القلب: ويُراد بالزهد في الشيء انصراف الرغبة عنه لشيء هو خير منه، والزهد في الشرع انصراف عن طلب الدنيا بطلب الآخرة، لكون الآخرة خيرًا وأبقى من الدنيا؛ قال -تعالى-: ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (الأعلى: 16- 17) ، وقال -تعالى-: ( وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ) (الرعد: 26) ، وقال الله -تعالى-: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت: 64) ، وقال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (فاطر: 5) .

وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي اليمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- مخالفة النفس بإخلاص العمل لله وحده.

- محاربة الهوى بتحكيم الشرع والوقوف عليه.

ومن أنواع الحجب التي تحجب القلب عن الرب:

- الشرك بصرف العبادات القلبية لغير الله -تعالى-.

- نفي أسماء الله -تعالى- الحسنى وصفاته العلى، وعدم العمل بمقتضاها، وما يترتب على ذلك من فقد القلب للمعرفة الواجبة بالله -تعالى-.

- الكبائر الظاهرة والباطنة، والبدع القولية والفعلية.

- الغفلة وعدم استحضار القلب لما خلق له ويُراد منه، وبالتالي التقصير في الذكر والشكر والاستغفار. والذنب تلو الذنب يغطي القلب كالران فيحجبه عن ربه؛ قال الله -تعالى-: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ . ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) (المطففين: 14- 17) .

الأسباب المسببة لأمراض القلب:

1- التعلق بغير الله -تعالى-: وهذا من أعظم المفسدات، فمن تعلق قلبُه بغير الله -تعالى- حبًّا أو خوفًا أو رجاءً، وكله الله -عز وجل- إليه، فيخذله من جهة ما تعلق به؛ قال -تعالى-: ( لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ) (الإسراء: 22) ، وقال -تعالى-: ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا . كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) (مريم: 81- 82) . وقال -تعالى-: ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ . لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ) (يس: 74- 75) .

الصفحة التالية