القلب في القرآن الكريم (3-3) مرض القلب واعتلاله
الشيخ علاء بكر • التزكية
2- كثرة الخلطة للناس عامة: للعبد مخالطة الناس في الخير كالجمع والجماعات، والتعاون معهم على البر والتقوى، وعليه أن يتجنب مخالطتهم في الشر، وعدم التعاون معهم في الإثم والعدوان، فيأخذ من مخالطة الناس ما ينفع وبقدر الحاجة، ويدع من فضول المخالطة للناس ما لا منفعة فيه؛ فكم جلبت مخالطة الناس بلا تمييز ومحاسبة من النقم، وكم أضاعت من النعم!
وكم تسببت في محن وفتن، فأضاعت مصالح وأوقات، وحجبت طاعات ومنافع، خاصة مخالطة أصدقاء السوء وأراذل الناس وما أكثرهم! قال -تعالى-: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ) (الفرقان: 27- 29) ، وقال -تعالى-: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) (الزخرف: 67) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) (العنكبوت: 25) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ ) (رواه مسلم) . والمراد بالغنى هنا: غنى النفس. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ ) (رواه البخاري) .
3- فضول الطعام والشراب وكثرة الشبع: فالشبع والإفراط في تناول الأطعمة والأشربة يثقل العبد عن الطاعات، إذ يقوي في النفس دافع الشهوة، ويقوي مجرى الشيطان؛ فإن الشيطان يجري من العبد مجرى الدم، ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا ونام كثيرًا وقلت وثقلت حركته، وقلت همته، وعانى من السمنة، وثقل بدنه، ويشغله ذلك كثيرًا بتدبير المال اللازم لتحصيل هذه الأطعمة المحببة كما ونوعا ليحصل عليها ويظفر بها. ولهذا كان الصوم، الذي هو نقيض ذلك، من أفضل العبادات البدنية؛ لأنه يضاد ذلك، ويحد منه ويمنعه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) (رواه الترمذي، وأحمد، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفي الْأَرْبَعَةَ ) (رواه البخاري) .
4- فضول النظر: فكثرة النظر خاصة للصور المحرمة يدعو إلى استحسانها، والاعتياد على الإكثار من النظر إليها، ومن ثم التعلق وانشغال القلب والبال بها، والتفكر في محاولة الوصول إليها، أو الظفر بها، أو القرب منها؛ وكم من فتن كان سببُها فضول النظر، وكم من نظرات بلا حاجة أورثت حسرات، خاصة وأن العين لا تسأم ولا تمل من كثرة النظر لما ينفع وما لا ينفع؛ قال -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) (النور: 30- 31) .
ولما سُئل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجأة قال: ( اصْرِفْ بَصَرَكَ ) (رواه مسلم) .
قال النوويُّ -رحمه الله- في شرح مسلم: "ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصرُه على الأجنبية من غير قصد؛ فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصرَه في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أَثِم لهذا الحديث؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره بصرف بصره، مع قوله -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ )".
ومعلوم أن النظر المحرم وفضول النظر مما يسمح للشيطان بدخول القلب والنفوذ إليه، فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها ويمنيه، مما يوقد في القلب نار الشهوة والوقوع في المعصية.
5- فضول الكلام: فالكلمة مسؤولية، وما يلفظ المرء من قول يحاسب عليه؛ لذا ففضول الكلام تفتح على العبد أبوابًا من الشر كلها من مداخل الشيطان، وأكثر المعاصي بل والكبائر هي من آفات اللسان، من الغيبة والنميمة والبهتان والكذب وقذف المحصنات واللعن والشتم وغيرها كثير. والنجاة من كل ذلك مرهونة بالإمساك عن فضول الكلام وحبس اللسان؛ قال -تعالى-: ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق: 18) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) (الحجرات: 12) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ) (رواه البخاري ومسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) (متفق عليه) .
قال النوويُّ -رحمه الله-: "وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألا يتكلم إلا إذا كان خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحتُه، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم. اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".
