العشر الأواخر فرصة للانطلاق (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأعظم نعمة ينعم الله -عَزَّ وَجَلَّ- بها على عبدٍ مِن عباده أن يهديه للإسلام، وأن يوفقه للعمل بطاعته -سبحانه وتعالى- واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
أعظم نعمة أنعم الله بها على أمة الإسلام، الرحمة المهداة والنور والبرهان، الرحمة التي بُعِثَ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبُعِثَ من أجلها، والنور والبرهان: الكتاب المبين؛ جعله الله -سبحانه وتعالى- حياةً للقلوب، وسببًا لسعادتها في الدنيا والآخرة، سببًا لنيل كل خير في هذه الدار وفي الدار الآخرة.
كذلك جعل الله -سبحانه وتعالى- القرآن الكريم نورًا للقلوب المؤمنة، وربيعًا لها، وذهابًا لهَمِّها وغَمِّها.
وحاجة الناس إلى القرب مِن الله -سبحانه وتعالى- أعظم مِن حاجتهم للطعام والشراب، بل والنَّفَس؛ حاجتهم وافتقارهم إلى أن يتأَلَّهُوا -إلى أن يتعبدوا- لله -عَزَّ وَجَلَّ-، أن يُؤَدُّوا حق الألوهية، أن يعرفوا حق ربهم -سبحانه وتعالى- ويؤدوه؛ حاجتهم إلى ذلك أعظم مِن كل حاجة؛ إذ لا حياة بغير العبودية، بأن تتوجه قلوبهم إلى الله -سبحانه وتعالى-.
لذا كان شهر رمضان، شهر الحياة، شهر القرآن: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (البقرة:185) .
وإنما يَعرِفُ نعمة الله -سبحانه وتعالى- فَيَشكُرَها مَن ذاق معنى القرب مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ بتلاوة القرآن وسماعه، والاهتداء بنوره، ومعرفة الفرقان الذي في القرآن العظيم، حتى يفرِّق بيْن الحق والباطل، وبيْن الهدى والضلال، وبيْن السُّنة والبدعة، وبيْن الإيمان والكفر؛ حين يحصل للعبد هذا الفرقان وتحصل له أنواع الهداية والبَيِّنات؛ عند ذلك يعرف قدر النعمة فيشكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- حين يقول: "الله أكبر، ولله الحمد"، عندما يتم الله -عَزَّ وَجَلَّ- نِعمتَه بإكمال العِدَّة فإنه يقولها صادقًا مِن قلبه: "الله أكبر، ولله الحمد"؛ له الحمد -سبحانه وتعالى- على ما شَرَع لنا، وله الحمد -سبحانه وتعالى- على ما مَنَّ به علينا مِن إرسال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإنزال الكتاب عليه، ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ) (الكهف:1) .
رمضان شهر الانطلاق والتحرر مِن أسر الشهوات والعادات؛ إن الإنسان فيه طاقات كامنة، فيه رغبات وإرادات يدفنها أكثر الناس، ويغيرون مسالكها؛ فلا يعرفون عن هذه الإرادات وهذه الطاقات في الانطلاق والارتفاع، لا يعرفون عن ذلك شيئًا! إنما يعيشون كما وصف الله -عز وجل-: ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) .
شهر رمضان شهر تحرر مِن أسر العبودية لغير الله.
العبودية لله -عز وجل- هي سبب راحة الإنسان، خلق عليها، فطر عليها، خلق مِن أجلها: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، قال -عز وجل-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) .
إن الحواجز والعقبات التي تعترض طريق القلب في ارتفاعه وقربه مِن الله -عز وجل- عقبات كثيرة، أعظمها: الكفر والشرك والنفاق، ويليها بعد ذلك: البدع والضلالات التي هي فساد الاعتقاد، والتي في حقيقة الأمر هي منبعها الكفر والشرك والنفاق، وإن كثيرًا مِن الناس يضل بها، وهو يحسب أنه يُحسن صنعًا، ثم بعد ذلك الكبائر الباطنة: مِن الكِبْر والعلو، وإرادة الفساد، ثم بعد ذلك الكبائر الظاهرة: كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ثم بعد ذلك الصغائر والذنوب: كلها حُجُب، كلها تمنع القلب مِن الانطلاق، ثم بعد ذلك فعل المكروهات، ثم بعد ذلك ترك ما هو أولى ومستحب، كل ذلك يحجب بدرجات متفاوتة، وإن كان مَن ترك المحرمات وفعل الواجبات نجا عند الله -سبحانه وتعالى-، لكن يفوته الربح!
والربح في التجارة مع الله -عز وجل- ربح عظيم: ألم تسمع قول الله -سبحانه وتعالى-: ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (الأنعام:160) ؟!
ألم تسمع قول الله -عز وجل-: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:261) ؟!
ألم تسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ) (متفق عليه) ؟!
ما أعظم مَن يتاجر مع الله -عز وجل-! ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ) (فاطر:29) .
