شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

العشر الأواخر فرصة للانطلاق (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ألا يكفيك ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

عباد الله... الأعمال بالخواتيم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ -يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي ) (رواه مسلم) .

ليلة القدر خير مِن ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم.

كل ليلة مِن ليالي العشر ليلة فاضلة، والعبادة فيها عبادة فاضلة مضاعفة -إن شاء الله-، ومَن قام رمضان قام ليلة القدر، ومَن قام العشر الأواخر قام ليلة القدر، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُرِيَها في العشر الأواخر، وتواطأت رؤيا أصحابه على أنها في العشر الأواخر، واعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشر الأواخر مواظِبًا على ذلك؛ التماسًا لهذه الليلة المباركة التي ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (الدخان:4) ، كما قال الله -سبحانه وتعالى-.

الله -سبحانه وتعالى- جعل الفضل لهذه الأمة بالمضاعفة في الحسنات لما علم مِن قلوبهم مِن حبهم لله -عَزَّ وَجَلَّ- وطاعتهم له، ورجائهم للقائه أكثر ممن كان قبلهم؛ فضاعف لهم في هذه المواسم، والأيام والليالي المباركة، حتى يسبقوا غيرهم فإنهم خير أُمَّةٍ أُخْرِجَت للناس، ودينهم خير دين، وكتابهم خير كتاب، ورسولهم خير الرسل، خير خَلْقِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- على الإطلاق؛ أَيّ شرفٍ لهذه الأُمَّة، شرفها الله -عَزَّ وَجَلَّ- بهذه الخيرات، فسبحان الله! كيف يُعْرِض الأكثر عن هذا الخير؟!

اجتهدوا -عِبَادَ اللهِ- في الأيام والليالي القادمة، واعتبروا أن كل ليلة منها يمكن أن تكون ليلة القدر؛ فاعملوا على ذلك، ولعل الخير في إخفاء ليلة القدر، في أن يجتهد المسلمون في الليالي كلها، ولا يقوموا ليلة واحدة ويتركوا باقي الليالي، فإننا لا شك في حاجةٍ إلى العبادة، في حاجةٍ إلى تَنَفُّسِ قلوبِنا، في حاجةٍ إلى راحتها وسعادتها بالقرآن العظيم، في حاجةٍ إلى فضل الله ورحمته.

الله -سبحانه وتعالى- جعل في الصيام فرحة، وجعل في القيام فرحة، وجعل في الاعتكاف فرحة، جعل في كُلِّ طاعةٍ فرحة؛ لأنها مِن فضل الله ورحمته، ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) .

بقيتْ ليالي معدودة، سرعان ما تَمُرّ، كما مَرَّ معظم هذا الشهر الكريم، والعمر يَمُرُّ، والإنسان إن لم ينتبه لمرور الليالي والأيام والشهور والأعوام انقضى عمرُه مغبونًا فيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ ) (رواه البخاري) ، وقال: ( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، هكذا أَمَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم-.

اغتنموا ما بقي مِن هذه الأوقات الفاضلة، وأروا الله -سبحانه وتعالى- خيرَ ما عندكم، وهو -عَزَّ وَجَلَّ- يجزي مَن آمن بأحسن ما عمل، ويُكَفِّر عنه أسوأ الذي كانوا يعملون، وسبحانه وتعالى عَفُوٌ كَريمٌ يحب العَفْو، ومِن حُبِّهِ للعَفْوِ شرع لعباده أسباب العفو، وفتح لهم أبواب التوبة، خَلَقَ بابًا للتوبة قِبَل المغرب يسير الراكب فيه مسيرة أربعين أو سبعين عامًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا يزال مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس منه، جعل أنبيائَه وخَاصَّةَ رُسُلِه تَوَّابين وأَوَّابين ومُنيبين.

ولأنه -سبحانه وتعالى- يحب التوبة قَدَّرَ الذنوب على عبادِه المؤمنين، ليتوبوا إليه، ليغفر لهم -عَزَّ وَجَلَّ-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) (رواه مسلم) .

هو -سبحانه وتعالى- يغفر الذنوب: ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ) (آل عمران:135) ؛ فجَدِّدوا التوبة على الدوام، واستعينوا بالله -سبحانه وتعالى- على طاعته، فإياه نعبد وإياه نستعين، ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5) .

لا توفيق لنا إلا بالله، ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (هود:88) ، فأنتَ لا تكون إلا بالله، ولا ملجأ لك إلا إلى الله، قلبك لستَ تملكه، إنما هو بيد الله -عَزَّ وَجَلَّ-، بيْن إصبعين مِن أصابعه، يُقَلِّبُ قلوبَ العِبَاد كيف شاء، فأيّما قلب يريد أن يقيمه أقامه، وأيّما قلب يريد أن يزيغه أزاغه، يا مُقَلِّب القلوبِ ثَبِّت قلوبَنا على دينك.

نسأل الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يتم علينا نعمته، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.

الصفحة السابقة