مناقشة هادئة مع توسل الخطيب بفاطمة -رضي الله عنها- وأبيها -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاء في دعاء الدكتور "سيد عبد الباري" في خطبة عيد الفطر في مسجد الفَتَّاح العليم: "اللهم يا رب، بحقِّ فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيمٍ مِن خلقك!".
وقد أثار هذا الدعاء عاصفةً من النقاش للأسباب الآتية:
1- أن الدعاء منقولٌ بنصِّه من كُتُب وخُطَب الشيعة، ولم يُعهَد تداوله في كتب أو على ألسنة خطباء أهل السُّنة، وهذا أمرٌ مثيرٌ للدهشة والتساؤل.
2- أن هناك ظرفًا سياسيًّا بالغ التعقيد، ويحتاج إلى ضبط للأمور. ويبدو أن تكرار دعاء يكاد يكون شعارًا للشيعة -حتى أن حسن نصر الله كان يذكره في مؤتمراته- يُعطي رسالة تعاطف مع إيران، مع أنها بهذه الصورة رسالةٌ خاطئةٌ، وتخالِف موقف مصر الرسمي.
وهو مكوَّنٌ من جزأين لا ينفك أحدهما عن الآخر:
الأول: رفض العدوان الصهيوأمريكي على إيران.
الثاني: رفض العدوان الإيراني على جيرانها من الدول العربية السنية.
وأيُّ موقف يوهم خلاف ذلك؛ سيكون إخلالًا بدور مصر ومكانتها.
3- أن الدعاء كان فيه التوسُّل بجاه الأنبياء والصالحين، وهو -على الأقل- ليس هو ما ورد في القرآن من التوسل بالإيمان بالرسل وليس بجاههم؛ وثمَّت فروقٌ عقديةٌ وتربويةٌ كثيرةٌ بين الأمرين سيأتي ذكرها -بإذن الله-. فالذي قَصَّه القرآن علينا من دعاء الصالحين قولهم: ( رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (آل عمران: 53) .
ولا أدري ما الذي يضير المتصوفة إذا راموا التوسل في الدعاء أن يتوسلوا بما هو مجمعٌ عليه وبما هو منصوصٌ عليه في القرآن؛ فيقولون: "نسألك يا الله بإيماننا برسولك، ومحبتنا لفاطمة وعلي والحسن والحسين، وكل الآل والأصحاب". فيكون دعاءً مستوفًى من جهة النقل، وكذا من جهة العقل؛ فإنَّ العبدَ يتقرَّب إلى السيد بعمله لا بعمل غيره، أو بشفاعة حقيقية من ذلك الغير. وهذا إنَّما يكون لو كان هذا الغير حيًّا ودعا الله له؛ كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتوسلون إلى الله بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلَمَّا قُبِضَ -صلى الله عليه وسلم- توسلوا بدعاء العباس -رضي الله عنه-؛ مِمَّا يؤكد أن التوسل بالغير إنَّما يكون إذا دعا هذا الغيرُ اللهَ لصاحب الحاجة، وإلا فليتوسل الداعي إلى الله بأعماله هو الصالحة، ومنها إيمانه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ومحبته لصحابته وآل بيته.
والحاصل: أن اجتماع كل هذه الأمور كان مثارًا للكثير من الجدل؛ لا سيما كون هذا الدعاء منقولًا من كتب الشيعة، بل ومتضمنًا لأمورٍ من مذهبهم الباطل.
المسألة الأولى: بيان أن هذا الدعاء منقول من كتب وخطب الشيعة وخطورة هذا:
ونحن هنا أمام استدعاء الخطيب لدعاء مشهور عند الشيعة الاثني عشرية (يمكن البحث في اليوتيوب لتجد كثافة استعماله من خُطَباء الشيعة)، وستجد أنه من الأدعية التي كان يرددها حسن نصر الله.
والأوضح من هذا: أن الدكتور محمود الشال أدلى بتصريح لبوابة فيتو قال فيه: "إن هذا الدعاء ورد في كتاب: الأسرار الفاطمية في المقامات الملكوتية والمعاني الروحانية للسيدة فاطمة الزهراء، تأليف: السيد محمد فاضل المسعودي". وقد ذكر ذلك الرجل أن أصل هذا الدعاء كان في وصايا رجل شيعي يسمى السيد المرعشي، وأنه أخذه مباشرة عن المهدي (يعني مهديهم المزعوم المختبئ في السرداب!).
وكتاب "الأسرار الفاطمية" هذا، شديد الغلو في فاطمة -رضي الله عنها-، وفيه الكثير من الاتهامات الباطلة التي يرددها الشيعة للصحابة -رضي الله عنهم-؛ منها: أن أبا بكر ظَلَم فاطمة، بل وضربها وأجهض جنينًا لها يسمونه: محسنًا!
ومن أمارات كذبهم: أنَّهم يدَّعون أنه -رضي الله عنه وحاشاه من أن يقع في مثل هذا- ضرب فاطمة -رضي الله عنها- وعليٌّ بالداخل يسمع؛ فلَمْ يخرج دفاعًا عن زوجته ولا عن ابنه! وهو أمرٌ لو انتبهوا له لكان طعنًا في عليٍّ -رضي الله عنه- قَبْلَ أن يكون طعنًا في أبي بكر -رضي الله عنه-!
وربما قال قائل: وما المشكلة في الاقتباس من كتب الشيعة إذا أخذنا منهم ما يوافق الحق الذي يقول به أهل السنة؟!
والجواب: إن هذا الدعاء ليس كذلك؛ فإنه فيه من الغلو الشيعي ما فيه، كما أن فيه سوء أدب بالغ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسيأتي بيانه -بإذن الله-.
ثم لو افترضنا خُلُوَّه من هذا، فيجب أن ننتبه إلى أنه إذا ما استدعَى الخطيب أو الكاتب قولًا مأثورًا ما، فهو لا يستدعي معنى القول المجرد، وإنما يستدعي معه جميع الملابسات المحيطة به. فأنت حينما تسمع الخطيب يردد الأدعية المأثورة في الكتاب والسُّنة فهذا شيءٌ طبيعيٌّ ومنطقيٌّ؛ لأنهما المصدر الذي يستقي منه المسلمون علومهم.
ولو أن الخطيب استشهد بكلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنَّا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله"؛ فسيصل إلى المتلقي -غير معنى هذه الكلمات- من تعظيم الخطيب لعمر -رضي الله عنه-، وفخره بجهاد الصحابة -رضي الله عنهم-.
وعندما يستشهد بقول الإمام مالك -رحمه الله-: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"؛ فهو لا يستدعي القول فقط، بل يستدعي أن الإمام مالك نموذجٌ يُحتذى به في هذا قولًا وعملًا.
ولا ندري: هل يطالع الخطيب كتب الشيعة وكأنها كتب عِلْم موثوق بها، يُقتبَس منها، بحيث سبق الدعاء الوارد فيها إلى ذهنه؟ أم هل يستمع إلى خطابات رجال الشيعة حتى التصقت دعواتهم بذهنه، فلم يجد في قاموس دعواته إلا هذا الدعاء؟! نرجو ألا يكون الأمر كذلك.
مسألة: هل هذا الدعاء في تلك الخطبة التي تتابعها جميع دول المنطقة؛ لكونها في حضور رئيس الجمهورية تعبِّر عن رؤية مصر في الحرب الدائرة؟
مما يزيد الدهشة: أننا أمام حرب متداخلة اعتدت فيها أمريكا وإسرائيل على إيران (وهي دولة يعلن دستورها أن مذهبها الرسمي هو المذهب الشيعي الاثني عشري -كما هو معلوم-)؛ فقامت إيران بالاعتداء على كلِّ جيرانها من الدول العربية زاعمة أنها تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية.
وموقف مصر الرسمي مكوَّنٌ من جزأين لا ينفك أحدهما عن الآخر:
