الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (11) اسم الله (الشافي) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التَّعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتَّعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) . وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- لم يرد ذِكْر هذا الاسم الكريم "الشافي" في القرآن بصيغة الاسم، ولكن ورد بصيغة الفِعْل كما في قوله -تعالى-: ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (الشعراء: 80) . وأما السُّنة: فقد ورد في دعاء النَّبي -صلى الله عليه وسلم- للمريض: ( أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغادِرُ سَقَمًا ) (متفق عليه) .
- دلالة اسم الله "الشافي" تدل على أنه هو شافِي الأجسام من العِلَل والأمراض، وشافِي القلوب والعقول من أمراض الشُّبُهات والشهوات والأحزان والمكدِّرات: ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (الشعراء: 80) . قال الحليميُّ -رحمه الله-: "الشَّافي الذي يشفي الصدور من الشُبَه والشكوك ومن الحسد والغلول، ويشفي الأبدان من الأمراض والآفات لا يقدر على ذلك غيره".
الوقفة الأولى: الله وحده هو الشافي من علل الأبدان:
- الأمراض والأسقام للأبدان من سُنَن الحياة التي لا بدَّ منها، ولا انفكاك عنها، كتبها الله -جلَّ جلاله- وقدَّرها؛ لِتُذكِّر الناس بالنعمة المنسية على الدَّوام "نعمة الصحة والعافية": لذلك كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى مُبتلىً: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- أكثر الناس بلاءً في أبدانهم الأنبياء والصَّالحون، وأقل الناس بلاءً في أبدانهم الكفار والفجار: عن مصعب بن سعد عن أبيه -رضي الله عنه- قال قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال: ( الْأَنْبِياءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دخل أعرابي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟ ) قال وما أم ملدم؟ قال: ( حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ )، قال: ما وجدت هذا قط. قال: ( فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّداعُ قَطُّ؟ ) قال وما هذا الصُّداع؟ قال: ( عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلى الْإِنْسانِ فِي رَأْسِهِ ) . قال: ما وجدت هذا قط. فلما ولى قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- لولا الأمراض لما تذكّر أحدٌ افتقاره إلى خالقه وحاجته إليه في كشف البلاء وتخفيف الشدّة، وشهود آثار اسمه "الشافي": قال -تعالى-: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) (يونس: 107) ، وفي رُقية النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: قال: ( اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شافِيَ إِلَّا أَنْتَ ) (رواه البخاري) . وحكى -تعالى- من قِيل إبراهيم -عليه السلام-: ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (الشعراء: 80) .
- وأما الأطباء فهم سببٌ يُجري الله على أيديهم بالأسباب المشروعة الظاهرة للشفاء ما يشاء، فإذا انعدمت الأسباب انعدم أثر الطبيب: ففي حديث أبي رِمثة -رضي الله عنه-، قال: انطلقت مع أبي نحو النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك -كأنه يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة-، فإني رجل طبيب، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُها الَّذِي خَلَقَها ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- بل حتى معجزات الأنبياء أو كرامات الأولياء، لا تمنحهم وصف "الشافي" اسمًا ولا وصفًا: قال -تعالى- حكاية عن عيسى -عليه السلام-: ( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ) (آل عمران: 49) . وفي حديث غلام الأخدود: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ -كَانَ قَدْ عَمِيَ- فَأَتَى الْغُلَامَ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ ) (رواه مسلم) .
- وقد شرع الله الشافي أسبابًا لشفاء الأبدان، وأعطاها سُنَنها بمشيئته (1) : قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
الوقفة الثانية: الله وحده هو الشافي من علل القلوب والصدور:
- أمراض القلوب والصدور (الشُّبُهات والشهوات: نفاق - شك - هوى - حسد - حُبُّ الشهرة والرياسة - كبر - غرور - وساوس وأمراض نفسية - أحزان وهموم - ....)، أشدُّ وأخطر من أمراض الأبدان؛ لأن آثارها تبقى بعد الموت: قال -تعالى- عن أهل النفاق والزيغ: ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) (البقرة: 10) ، وقال: ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) (آل عمران: 7) . وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
