شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (11) اسم الله (الشافي) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- الشافي وحده الذي يحفظ القلوب من الزيغ، ويشفي القلوب والصدور من أمراضها: عن شهر بن حوشب قال: قلت لأُمِّ سلمة -رضي الله عنها-: يا أُمَّ المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثر دعائه: ( يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ ) قالت: فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك؟ قال: ( يا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شاءَ أَقامَ وَمَنْ شاءَ أَزاغَ )، فتلا معاذ: ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- جعل الشافي -سبحانه- التزام تعاليم الوحي المنزَّل سبيلاً للشفاء من أمراض القلوب والصدور: قال -تعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا ) (الإسراء: 82) (2) . وقال -سبحانه-: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) (يونس: 57) .

الوقفة الثالثة: أسباب جعلها الشافي لشفاء القلوب والأبدان:

- لقد أمر الشافي -سبحانه- بالأخذ بالأسباب وحثَّ عليها، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فلا يجوز للمؤمن أن يُعطِّل الأسباب، بل لا يكون متوكلًا على الحقيقة إلا بتعاطي الأسباب، وهذه بعض الأسباب:

1- سائر الأدوية والعلاجات المباحة التي يتوصل إليها الإنسان: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ ‌خَلَقَ ‌الدَّاءَ والدَّوَاءَ ‌فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ).

2- العسل: قال -تعالى-: ( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل: 69) .

3- الحبة السوداء: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( فِي الْحَبَّةِ السَّوَدَاءِ شِفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ إِلَّا السَّامَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

4- الحجامة: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( الشِّفاءُ فِي ثَلاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنارٍ، وَأَنَا أَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ ) (رواه البخاري) .

5- ماء زمزم: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) . وقد جُرِّب الاستشفاء بماء زمزم وجرت أمورٌ عجيبة لكثير من الناس.

6- الدعاء وقراءة القرآن، والصدقة: في دعاء النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- للمريض: ( أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفاءَ إِلَّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لَا يُغادِرُ سَقَمًا ) (رواه البخاري ومسلم) . وكان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يزور المرضى، ويدعو لهم، ويرقيهم بكتاب الله كما كان يرقي نفسه بالقرآن. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( داوُوا مَرْضاكُمْ بِالصَّدَقَةِ ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني) .

خاتمة: التحذير من إساءة الظن بالله واليأس من الشفاء:

- قد لا تُؤتي هذه الأسباب ثِمارها في العلاج، إما لتناولها بطريقة خاطئة، أو لضعف يقين المريض: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنَّ أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْقِهِ عَسَلًا ) فسقاه، ثم جَاءَه فقال: إنِّي سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرَّات، ثم جَاءَ الرابعة فقال: ( اسْقِهِ عَسَلًا ) فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ) فسقاه فبرأ. (متفق عليه) .

- وقد تقتضي حكمة الله -تعالى- شدة المرض، أو تأخر الشفاء؛ رفعًا لدرجات العبد يوم القيامة، وتكثيرًا لحسناته، أو تكفيرًا لسيئاته: قال -تعالى- عن أعظم مُبتلىً عرفته البشرية: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ) (الأنبياء: 83- 84) .

- علِّق قلبك بالشافي وتعبَّد له في المرض بالرضا والطمع: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) (يونس: 107) ، ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) (الشعراء: 80) .

اللهم يا شافي اشفِ مرضانا وعافِ مُبتلانا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الشيخ ابن عثيمين: "الشافي هو الله -عز وجل-؛ لأنه الذي يشفي المرض، وما يصنع من الأدوية أو يقرأ من الرقى فما هو إلا سبب قد ينفع وقد لا ينفع، فالله هو المسبب -عز وجل-؛ ولهذا ربما يمرض رجلان بمرض واحد، ويداويان بدواء واحد، وعلى وصفة واحدة، فيموت هذا ويسلم ذاك؛ لأن الأمر كله بيده الله -عز وجل-، فهو الشافي. وما يصنع من أدوية أو يقال من رقى فهو سبب، ونحن مأمورون بذلك السبب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ ‌خَلَقَ ‌الدَّاءَ والدَّوَاءَ ‌فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ )".

وقال بعضهم: المشاهد أن عافية أهل البوادي أكمل، وأتم من عافية أهل المدن، مع وجود الأطباء عند أهل المدن، وهذا يعرفه كل أحد، بل يُضرب به المثل، ومع ذلك: إذا أراد الله -تعالى- للعبد المرض فلا بدَّ أن يقع ذلك لا محالة في البادية أو في المدينة، فها نحن نشاهد الناس يذهب الواحد منهم لأكبر المستشفيات، ثم يموت حيث طلب الشفاء، وبعضهم قد يعاني من نفس العلة، ولا يتعاطى كبير سبب، ويُمتَّع، ويعيش! لأن الذي يأتي بالمرض هو الله، والذي يشفي ويرفع المرض هو الله وحده!

الصفحة السابقة الصفحة التالية