شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أكذوبة حتمية الاستجابة وأثرها في رواج التوسل البدعي والشركي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (الحجر: 87) ، فذكر -عز وجل- فضله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الأمة من بعده في إنزال القرآن عامة، ثم خص منه الفاتحة (السبع المثاني)، والقرآن كله مثاني، والسور التي تلي السور ذات المائة آية مثاني، ولكن أخص سور القرآن بوصف المثاني هي الفاتحة؛ فهي التي تتكرَّر وجوبًا سبع عشرة مرة -على الأقل- في اليوم والليلة، وهي عدد الركعات في الصلوات المكتوبة.

وفي الفاتحة ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، ومعناها: ألا نعبد إلا إياك، ولا نتمكن من عبادتك إلا بأن تعيننا عليها؛ فلا نستعين على العبادة ولا على غيرها إلا بك.

ومما يستفاد من الجمع بين "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" و"وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ": أنه لا يستعان إلا بمن هو مستحق للعبادة؛ لأن الاستعانة المطلقة عبادة، ومِن ثَمَّ لا تكون إلا بمَن يستحق العبادة.

وهذا أيضًا معنى قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (المائدة: 35) .

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيرها: "يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قُرِنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ). قال سفيان الثوري: حدثنا أبي عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أي القربة".

فالوسيلة المرادة في هذه الآية تشمل جميع القربات في جميع الأحوال. وقد غلب في الاصطلاح استعمال كلمة "التوسل" في اتخاذ الوسائل التي يُرجَى معها إجابة الدعاء.

النوع الأول من التوسل المشروع في الدعاء:

والدعاء عبادة: قال تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (غافر: 60) ، فوَصَف المعرضين عن دعائه بأنهم مستكبرون عن عبادته. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

وهذا يعود بنا إلى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )؛ فالدعاء تعبير عن الاستعانة، فلا يكون إلا لله بكل الاعتبارات كما نقول: "إياك نعبد"، ونقول: "إياك نستعين".

فعلمتنا سورة الفاتحة الجمع بين العبادة والاستعانة، ومما نتعلمه أيضًا من سورة الفاتحة: أن الأفضل أن يكون هناك جمع بين الثناء وبين المسألة؛ لأن الفاتحة فُتِحت بالثناء ثم أتى بعده السؤال: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ).

ولِكَوْن الفاتحة تُكرَّر ذُيِّل الدعاء بصفات يحتاج الداعي أن يستحضرها في نفسه، وهي حال مَن سبقه على الطريق ومَن حاد عنه؛ فأمرنا ربنا بعد أن نسأله الصراط المستقيم أن نزيد في أوصافه لكي نستحضرها: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ).

ومن عجيب ما يمكن أن تَسمع: ما ذكره "الحبيب علي الجفري" من أن ذِكْر (الذين أنعمت عليهم) دليل على أنه لا ينبغي أن تلج باب دعاء الله مباشرة، بل لا بد أن تتوسل بالصالحين!

والآيات نص في أننا نسأل الله مباشرة ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، وإنما جاء ذكر الصراط وكون المُنعَم عليهم كصفة للصراط للتوضيح والتعليم والتربية، ولكنها جزمًا لم تغيِّر شيئًا من واقع أن الدعاء مباشر من العبد لله تعالى: ( اهْدِنَا ).

نخلص من هذا: إلى أن الفاتحة قد ضُمِّنت دعاءً مشمولًا بثناءٍ على الله تعالى، وهذا النوع الأبرز من التوسل في الدعاء؛ وهو: الثناء على الله بأسمائه وصفاته، وهو كثير جدًّا في القرآن:

- ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة: 127) .

- ( وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (المائدة: 114) .

- ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) (الأعراف: 89) .

- ( رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) (المؤمنون: 29) .

- ( رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) (المؤمنون: 118) .

ففاتحة الكتاب ومعظم أدعية القرآن والسُّنة دائرة على هذا النوع من التوسل المشروع.

وبالعودة إلى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وصور الجمع بين العبادة والاستعانة؛ نجد أن هذا النوع هو أرجى الدعاء في السجود والطواف، وفي دبر الصلوات، وعند الإفطار، وفي عرفات.

النوع الثاني من التوسل المشروع:

ومنه أن يستحضر الداعي عملًا صالحًا قد عمله فيتقرَّب به إلى الله متوسِّلًا قبول دعائه، ومن أوضح أمثلته في السُّنة: حديث الثلاثة الذين أُغلِق عليهم الغار.

ومن أمثلته في القرآن:

- ( رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (آل عمران: 16) .

- ( رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (آل عمران: 53) .

- ( رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) (المؤمنون: 109) .

وربما جمع بينه وبين ما قبله في مثل قوله تعالى: ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (آل عمران: 193- 194) .

فتوسَّلوا إلى الله بعملهم الصالح وهو الإيمان، وبالثناء عليه: ( إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ).

ملاحظة:

الصفحة التالية