شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أكذوبة حتمية الاستجابة وأثرها في رواج التوسل البدعي والشركي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ما يَرِد مِن ذِكْر الرُّسُل هنا لا يُخرج التوسل من كونه بالعمل الصالح إلى كونه بالرسل؛ لأن الداعي إنما يذكر "إيمانَهُ هو بالرسل"، ويجعله بين يدي دعائه، وبالتالي يظل هذا النوع من التوسل دائرًا بين ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ).

النوع الثالث من التوسل المشروع:

إذًا فالدعاء من العبد إلى الله، وإذا أراد أن يضمِّن دعاءه وسيلة ليكون أرجى للقبول؛ فالأصل أن يكون هذا التوسل بعباداته هو، والأصل قوله تعالى: ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) (النجم: 39) .

ومن رحمة الله تعالى بالعباد أنه شرع أن يدعو الإنسان لغيره كما ورد من دعاء الخليل إبراهيم -عليه السلام- لذريته في قوله تعالى: ( إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة: 127- 129) . وهذا لا يخرج عن كون الدعاء لله -عز وجل-، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته أو بالعمل الصالح من العبد، كما كان هذا أثناء بناء الكعبة، ولكن المسألة متعلقة بالغير، وهذا من الإحسان إلى ذلك الغير.

ومن سعة رحمة الله بالعباد: أنه أَذِن لمن يرغب أن ينتفع بهذا الإحسان ممَّن يرجى صلاحه، ومِن ثَمَّ احتمال أكبر في إجابة دعائه، فقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (النساء: 64) .

قال أبو جعفر الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك -جل ثناؤه-: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدُّوا صدودًا، ( إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها، ( جَاءُوكَ ) يا محمد، حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم اللهَ رسولهُ -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك. وذلك هو معنى قوله: ( فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ )".

وبالتالي فهذا هو النوع الثالث من التوسل المشروع؛ وهو: سؤال الدعاء من رجل صالح حي حاضر، فيدعو الله له.

وأما الروايات التي فيها أن أحدًا فَهِم من الآية أنه يستمر العمل بها بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيجب أن يُعلم:

1- أن هذا ليس المقصود من الآية عند السلف، وإن لم يمنع أن يبحث مدى صلاحيتها للدلالة على ما لم يدخل فيها ابتداءً.

2- نحتاج أن نبحث عن مدى صحة السند عمن أُسنِد إليه أنه رأى أن العمل بها مستمر بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

3- أن هذا الاستنباط إن أُسنِد إلى أحدٍ وهو غير ثابت، وعلى فرض ثبوته؛ فليس إجماعًا، بل هو مخالف لفعل جمهور الصحابة، بل لإجماعهم؛ فإنهم عدلوا عن التوسل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوسلوا بعمه العباس -رضي الله عنه-؛ مما يعني أن الصورة الوحيدة الجائزة من التوسل في دعاء الله عن طريق أحدٍ من عباده هي: أن تطلب الدعاء من هذا العبد، وأن هذا الطلب لم يكن ممكنًا أن يُطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته رغم أن حياته البرزخية أكمل حياة برزخية؛ إلا أنها تبقى برزخية، لا نعلم ما يجوز فيها مما لا يجوز إلا بالنصوص.

وقد علم الصحابة أن التوسل بالغير لا يكون إلا بأن تطلب منه الدعاء، وأن هذا الطلب لا يوجَّه إلا لشخص حي، وإلا لما تركوا التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته.

إذًا فأنواع التوسل المشروع في الدعاء التي وردت في القرآن هي:

1- التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.

2- التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ ومنه: الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ومحبة صحابته، وآل بيته.

3- التوسل بطلب الدعاء من رجل صالح حي حاضر.

ولا يوجد في القرآن أي نوع آخر من التوسل المشروع، وقد وردت في السُّنة صور من التوسل بحقِّ السائلين أو بحق بعض الصالحين، أو بالاستغفار عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مما يصدق عليها أن صحيحها غير صريح، بل لا دلالة فيه البتة، وصريحها غير صحيح (وسنناقشها في مقالة أخرى إن شاء الله)، ولكن من المفيد هنا أن نثبت قضية عقلية وتربوية، وهي كما رأينا أن الأصل ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) وأن الدعاء الذي هو العبادة يجب أن يكون داخل إطار ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ).

وأن التوسعة في أنه يمكن أن يدعو المسلمون بعضهم لبعض لم تخرج الأمر من هذا؛ حيث يظل الراغب في الدعاء متوجهًا إلى الله، ويضم إلى طلبه طلب رجل صالح؛ فما زال الأمر بعيدًا عن توهم تصرف هذا الصالح في الكون، فهو سيدعو الله ويتذلل له. ويكون أيضًا بعيدًا عن ركون صاحب المسألة إلى دعاء هذا الداعي؛ ولأن هذا الداعي لو كان صالحًا فسينصح المدعو، ويطلب منه أن يعلِّق قلبه بالله.

وأما أن يجعل مكانة وجَاه بعض الصالحين بابًا لكي يسأل كل أحد الله به، بلا أي صلة أو رابطة؛ فهذا يفتح باب التواكل والزهد في العمل وقد كان؛ بخلاف ما لو توسل إلى الله بالإيمان بالأنبياء أو حب الصالحين، أو حتى طلب من الحي الحاضر أن يدعو الله له. ثم إن هذا الركون إلى السؤال بالجاه ثم بالذّات جَرَّ إلى "دعاء غير الله" صراحةً، وتسمية هذا الدعاء والطلب من غير الله توسلًا.

العجب من ترك التوسل الثابت بالقرآن المجمع على مشروعيته إلى غيره:

والعجيب هو انصراف معظم الصوفية عنه "وهو الأصل!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية