شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (12) اسم الله (الغني) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التَّعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتَّعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) . وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد اسم الله -سبحانه- "الغني" في القرآن الكريم في ثماني عشرة آية؛ منفردًا تارة ومقترنًا بغيره من الأسماء الحسنى تارة أخرى: كقوله -تعالى-: ( قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) (يونس: 68) ، وقوله: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15) . وجاء في دعاء النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ ) (رواه أبو داود) .

- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتَّعرُّف على هذا الاسم الجليل "الغني" من خلال سؤال: "من هو الغني في الناس؟".

الجواب: هو الذي عنده الشيء الكثير من الأموال ومتاع الدنيا، فهو الذي يملك مثلاً بيتًا فاخرًا أو أكثر، وسيَّارة فارهة أو أكثر، بل ربما يملك الشركات والمصانع والمزارع والأراضي والطائرات الخاصَّة والجُزُر في البحار، وغير ذلك من متاع الدنيا.

وهنا يأتي السؤال الآخر: هل هذا الغني تراه يحتاج إلى أحد؟

الجواب: ربما يجيب بعض الغافلين بلا. وأما جواب اليقظين سيكون بأجل. يحتاج إلى الكثير والكثير من الاحتياجات في اليوم الواحد؛ ألا يحتاج إلى طبيب إذا مرض؟ ألا يحتاج إلى زيادة ماله دائمًا بالعمل حتى لا ينقص ولا يَفنى؟ ألا تمر عليه الليالي الكثيرة بلا نوم ينتابه القلق على أمواله ويحتاج إلى المهدِّئات كي ينام بعض الساعات؟ ألا يحتاج إلى من يحسب له هذه الأموال دائمًا؟ بل ألا يحتاج إلى عامل الصرف الصَّحي ليُصلح له المرافق في بيته الفاخر إذا تعطَّلت؟ ألا يحتاج إلى كذا... وكذا...

بل لننظر إلى جانب آخر: أليس هو فقيرًا للقوة إن كان ضعيف البدن؟ أليس هو فقيرًا للجمال إن كان دميم المنظر؟ أليس هو فقيرًا إلى القبيلة والخدم والحراس ليحرسوه من أعدائه؟ أليس هو فقيرًا إلى العلم بين آلاف البشر الذين يسبقونه؟ أليس...؟! أليس...؟!

ومع ذلك فكل الذين فوقه في صفة، فقراء في غيرها، وهي ليست على كمالها، ولا بدَّ فيها من نقص يعتريها! إذًا مَن هو الغني الذي لا يحتاج إلى غيره؟ من هو الغني الكامل في كل صفاته وأوصافه؟ إنه الله. نعم، إنه الله. قال -تعالى-: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15) .

- فتعالوا لنتعرَّف على معنى "الغني" في حق الغني سبحانه: قال الخطابيُّ -رحمه الله-: "الغني هو الذي استَغنَى عن الخلق وعن نُصرَتِهم وتأييدهم لملكه، فليستْ به حاجةٌ إليهم، وهم إليه فُقَراءُ مُحتاجُون، كما وَصَف نفسه، فقال: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15) " (شأن الدعاء) .

وقال ابن الأثير -رحمه الله-: "هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء وكل أحد محتاج إليه، وهذا هو الغنى المطلق...".

وقال السعديُّ -رحمه الله-: "هو الغني بذاته، الذي له الغنى التَّام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرَّق إليها نقص بوجه من الوجوه" (التفسير) .

من صور غنى الغني -سبحانه-:

أولًا: أن غناه دائم لا ينقطع "مطلق"، فما من غني إلا غناه مسبوق بفقر، ومهما بلغ فهو ناقص، وهو لا بدَّ إلى فقر، فإما أن يذهب المال عنه، أو يذهب هو عن المال: قال -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) (آل عمران: 26) ، وقال -تعالى-: ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ) (النحل: 96) .

- أما الله الغني -سبحانه- فغناه أزلي غير مسبوق بفقر، أبدي دائم لا يَقنى ولا ينقص: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون: 7) ، وقال -تعالى-: ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزائِنُهُ ) (الحجر: 21) . وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا ‌نَفَقَةٌ، ‌سَحَّاءُ ‌اللَّيْلَ ‌وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ، أَوِ الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ) (متفق عليه) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -عز وجل-: ( يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قامُوا فِي صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسانٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ) (رواه مسلم) .

ثانيًا: ما أعدَّه -تعالى- لأهل الجنة من النعيم بما لا يتصوره عقل ولا خيال: فلِغناه المطلق، جعل لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مما اشتهته النفوس، من المطاعم والمشارب، والملابس، والمناكح، والمناظر الحسنة؛ كل ذلك على أكمل الوجوه وأفضلها، مع الخلد الدائم فيها، قال -تعالى-: ( وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ) (الزخرف: 71) .

الصفحة التالية