شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (12) اسم الله (الغني) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

وقال: ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوابٍ وَأَباريقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعينٍ . لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا ) (الواقعة: 10- 26) .

- كل ذلك النعيم لا يتكرر مع كثرتهم وخلودهم: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ) (البقرة: 25) .

ثالثًا: غناه -تعالى- عن طاعة الطائعين: فلو آمن أهل الأرض كلهم جميعًا ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو كفروا جميعًا لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فهو الغني عن ذلك، قال -تعالى-: ( إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (إبراهيم: 8) ، وقال -تعالى-: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر: 15) ، وقال -تعالى-: ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ) (الأنعام: 133) .

وفي الحديث القدسي: ( يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلى أَتْقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنْكُمْ ما زادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يا عِبادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي ) (رواه مسلم) .

من آثار الإيمان باسم الله الغني:

1- المؤمن أغنى الناس في الدنيا: إن اسمه سبحانه "الغني" يُثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي، الذي يُثمر الاستغناء بالله -تعالى- وحده عن الناس، وعزَّة النفس والقناعة والرضا بما آتاه الله: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْغِنى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلكِنَّ الْغِنى غِنَى النَّفْسِ ) (رواه البخاري ومسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .

- كم من فقير مُعدم غني النفس سخي، لا يبالي بالدنيا جاءت أو ذهبت؛ لأن همَّه الآخرة والوصول للجنة، وكم من صاحب أموال مُعذَّب بأمواله؛ لأنه لا يزال يلهث ليجمع المزيد من الدنيا: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) (1) .

2- كثرة الافتقار والتَّذلُّل والالتجاء إلى الغني سبحانه: فالمؤمن الغني مهما بلغ من الغنى الدنيوي، فهو دائمًا يشعر بالفقر والذلَّة إلى ربه، لأنه عرف قدر ربه، وعرف قدر نفسه، بخلاف الغني الفاجر؛ قال -تعالى- عن الغني الجاهل: ( وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا . وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا ) (الكهف: 34- 36) . وقال -تعالى- عن الغني الصَّالح، نبيه الملك سليمان -عليه السلام-: ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل: 40) . قال السعديُّ: "إنَّ من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق" (2) .

3- إنزال الحاجات به -سبحانه- وحده: المؤمن يتعبَّد لله باسمه "الغني"، فلا يُنزل حاجته بالمخلوق الفقير، وإنما يُنزلها بالغني الكريم؛ قال -تعالى-: ( وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) (النساء: 32) . وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاقَةٌ فَأَنْزَلَها بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاقَةٌ فَأَنْزَلَها بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عاجِلٍ أَوْ آجِلٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) . وكان يقول: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدى وَالتُّقى وَالْعَفافَ وَالْغِنى ) (رواه مسلم) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المؤمن أغنى الناس؛ لأنه في رعاية الغني -سبحانه-، فالمؤمن ولو كان فقيرًا في الظاهر، لكنَّه غني في الباطن؛ لأنه غنيٌ بمولاه الغني -سبحانه-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية