شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الاستقامة في الكتاب والسنة

الشيخ علاء بكر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الاستقامة في الكتاب والسنة:

رَوى الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله- في "صحيحه" عَنْ سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قالَ: قُلْتُ يا رسولَ اللهِ قُلْ لي في الإسلامِ قَوْلاً لا أسألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ؟ قالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه مسلم) .

وهذهِ وصيةٌ جامعةٌ مِنْ وصايا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ؛ فَيُشيرُ إلى المعاني الكبيرةِ الجليلةِ بكلماتٍ وافيةٍ قليلةٍ، مِمَّا يُيَسِّرُ على مَنْ سَمِعَها فَهْمَها وحِفْظَها والعملَ بمقتضاها.

- قول الصحابي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "قُلْ لي في الإسلامِ قَوْلاً لا أسألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ؟"، يُريدُ قَوْلاً جامعًا واضحًا يُسْتَغْنى بِهِ عَنِ العودةِ إلى السؤالِ.

- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ): فيهِ إرشادٌ إلى تحقيقِ أمْرَيْنِ:

1- الإيمانُ باللهِ -تعالى-، وهَذا الإيمانُ أصْلُ الدِّينِ.

2- الاستقامةُ على شَرْعِ اللهِ -تبارك وتعالى-، فَبَدَأَ بالعلمِ بمعرفةِ اللهِ -تعالى- المعرفةَ الواجبةَ، ثُمَّ اتْبَعَها بالعملِ بأوامرِ اللهِ -تعالى- ونواهيهِ؛ فَجَمَعَ بَيْنَ العلمِ والعملِ.

والإيمان في اللغة: التَّصديقُ، كَما جاءَ في قَوْلِ اللهِ -تعالى- في قصَّةِ يوسفَ -عليه السلام- قَوْلُ إخوةِ يوسفَ لأبيهم يعقوبَ -عليه السلام-: ( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) (يوسف: 17) . والمعنى: "ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا صادقين" (ينظر: تفسير ابن كثير) .

وفي الشرع: الإيمانُ هوَ تصديقٌ بالقلبِ ومَعَهُ إقرارٌ باللسانِ وعملٌ بالجوارحِ. وفي ذَلِكَ المعنى قَوْلُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديثِ المرفوعِ: ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ) (متفق عليه) . والبِضْعُ: ما بَيْنَ الثلاثةِ إلى التسعةِ، ( أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) هو إقرارُ اللسانِ، ( وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ ) -تُنْحِيَةٌ وإبعادٌ- ( الْأَذَى ) -كُلُّ ما يُؤذي- ( عَنِ الطَّرِيقِ ) -طريق الناس-.

فقولُ لا إله إلا الله: هو إقرارُ اللسانِ. وإماطةُ الأذى: مِنْ أعمالِ الجوارحِ.

- وقال الله -تعالى- في شأنِ صلاةِ المسلمينَ الأوائلِ إلى بيتِ المقدسِ قَبْلَ تحويلِ القبلةِ في الصلاةِ إلى الكعبةِ: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) (البقرة: 143) ، أي: صلاتكم.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": (وَقَوْلُهُ: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ يُضِيعُ ثَوَابَهَا عِنْدَ اللَّهِ . وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَاتَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تعالى- ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . ورواه الإمام أحمد -رحمه الله- في "المسند". فَسَمَّى اللهُ -تعالى- الصلاةَ التي هيَ مِنْ عَمَلِ الجوارحِ إيمانًا؛ فَيَدْخُلُ في مُسَمَّى الإيمانِ شَرْعًا: تصديقُ القلبِ وإقرارُ اللسانِ وعملُ الجوارحِ.

تعريف الاستقامة لغةً واصطلاحًا:

أما الاستقامة لغة: مِنْ قامَ الأمْرُ: اعتدلَ، وقامَ على الأمْرِ: دامَ عَليهِ وثَبَتَ، وأقامَ الشَّرعَ: أظهرَهُ وعَمِلَ بِهِ. وإقامةُ الأمْرِ: أي توفيتُهُ حَقَّهُ، كَما قال الله -تعالى- في شأنِ أهلِ الكتابِ: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ) (المائدة: 66) .

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: هو القرآن، ( لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بين أيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة. وقوله -تعالى-: ( لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض.

وفي تفسيرِ قولِ اللهِ -تعالى-: ( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ )، قال ابن كثير -رحمه الله-: كقوله: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (الأعراف: 159) ، وكقوله عن أتباع عيسى -عليه السلام-: ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) (الحديد: 27) الآية. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أبسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عز وجل: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمَنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) (فاطر: 32-33) الآية. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.

واستقامة الإنسان: لزومُهُ المنهجَ المستقيمَ، فالاستقامةُ كلمةٌ جامعةٌ آخذةٌ بمجامعِ الدِّينِ كُلِّهِ.

أنواع الاستقامة:

والاستقامة ثلاثة أنواع:

الصفحة التالية