شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الاستقامة في الكتاب والسنة

الشيخ علاء بكر • التزكية

1- استقامةُ القلبِ: بقصدِ اللهِ -تعالى- والتوجُّهِ إليهِ وَحْدَهُ، وتجنُّبِ الالتفاتِ لِسواهُ؛ قال -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ) (الروم: 30) .

2- استقامةُ اللسانِ: فأعضاءُ الإنسانِ خاضعةٌ وتابعةٌ للسانِ، في صلاحِهِ صلاحُها في فسادِهِ هلاكُها، ففي حديثِ أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قالَ: ( إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . واللسانُ ترجمانُ القلبِ والمعبِّرُ عنهُ، ففي الحديثِ عَنْ أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: ( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ) والمُرادُ سلامةُ القلبِ، ( وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ) والمُرادُ سلامةُ اللسانِ. والحديثُ حسَّنهُ الألباني في "صحيح الترغيب"، وضعَّفهُ آخَرونَ مِنهُم شعيب الأرناؤوط.

3- استقامة الجوارح: إذ لا صلاحَ لِلعَبْدِ إلا بتجنُّبِ ارتكابِ الجوارحِ لِلمعاصي والذنوبِ خاصَّةً كبائرَ الذنوبِ، وأداءِ الواجباتِ المفروضةِ.

الاستقامة في القرآن الكريم: وقد وردتِ الآياتُ العديدةُ في الأمْرِ بالاستقامةِ على شَرْعِ اللهِ -تعالى-، والثناءِ على أهلِ هذهِ الاستقامةِ؛ قال الله -تعالى-: ( فَاسْتَقِمْ ) أمْرٌ بالثباتِ والدوامِ على الاستقامةِ ( كَمَا أُمِرْتَ ) أنتَ ( وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ) مِنْ أمَّتِكَ، وهُم أصحابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، ومِمَّنِ اتَّبعَهُ مِنْ أمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ( وَلَا تَطْغَوْا ) نهيٌ عَنِ الطُّغيانِ، وهوَ مجاوزةُ الحَدِّ ( إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فهو لا يَخفى عَليهِ شَيْءٌ ولا يَغْفَلُ عَنْ شَيْءٍ (هود: 112) .

وزيادةُ السينِ والتاءِ في كلمةِ (استقم) تُفيدُ الطلبَ، أي اطْلُبِ الاستقامةَ على الدِّينِ، كَما في كلمةِ (استغفر) طَلَبُ المغفرةِ. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه". وفي هذهِ الآيةِ مِنْ سورةِ هود والآياتِ الأخرى نَحْوَها قالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وكان الحسنُ -رحمه الله- إذا قرأَ هذهِ الآيةَ قالَ: "اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة"؛ لذا قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة".

وقال الله -تعالى-: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) (الشورى: 15) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( وَقَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله -تعالى-: ( وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله -تعالى- كما أمركم الله -عز وجل-. وقوله -تعالى-: ( وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يعني: المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.

وقال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) (فصلت: 6) .

وقوله -تعالى-: ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ): إشارةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وقوعِ التقصيرِ في الاستقامةِ المأمورِ بها فَيُجْبَرُ ذَلِكَ الاستغفارُ المقتضي لِلتَّوبةِ والرجوعِ لِلاستقامةِ. وفي هَذا المعنى أيضًا قَوْلُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) . وفيهِ: أنَّ فِعْلَ الطَّاعاتِ والحسناتِ عقبَ الذنوبِ سَبَبٌ لِغفرانِها ومَحْوِها.

وقال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) استقاموا على التوحيدِ فَلَمْ يلتفتوا لِغَيْرِ اللهِ -تعالى- ( ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) على ما شَرَعَهُ اللهُ -تعالى- لَهُم، فأخلصوا العملَ للهِ -تعالى- بأداءِ الفرائضِ وتَرْكِ المحرَّماتِ ( تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ) تُبَشِّرُهُم ( أَلَّا تَخَافُوا ) فيما هوَ قادمٌ ( وَلَا تَحْزَنُوا ) لِفواتِ مَحبوبٍ ( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ) فَمَنْ بَلَغَ بعَمَلِهِ كمالَ الاستقامةِ أمِنَ مِنَ الوعيدِ يَوْمَ القيامةِ، ومَنْ كانَ عِنْدَهُ أصْلُ الاستقامةِ أمِنَ مِنَ الخلودِ في النارِ ( الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت: 30) .

وقال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأحقاف: 13- 14) .

الاستقامة في سورة الجن:

أمَّـا قَوْلُ اللهِ -تعالى- عَنِ الجِنِّ قَوْلَهُم: ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا . وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ) (الجن: 14- 17) .

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": "( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ) أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، ( فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، ( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) أي: وقودًا تسعر بهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية