الاستقامة في الكتاب والسنة
الشيخ علاء بكر • التزكية
وقوله -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: أحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ( لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أي: كثيرا، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ )، وكقوله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ). وعلى هذا يكون معنى قوله: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أي: لنختبرهم، كما قال مالك -رحمه الله- عَنْ زيد بن أسلم: ( لِنَفْتِنَهُمْ ): لنبتليهم، لنعلم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية.
قال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد -رحمه الله-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) قال: الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي -رحمهم الله-. وقال قتادة -رحمه الله-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ): يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا. وقال مجاهد -رحمه الله-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أي: طريقة الحق، وكذا قال الضحاك -رحمه الله-. وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أي: لنبتليهم به.
القول الثاني: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) -الضلال- ( لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا، كما قال -تعالى-: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخذناهم بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ )، وكقوله: ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) وهَذا قَوْلُ أبي مجلز -رحمه الله-؛ فإنه قال في قوله -تعالى-: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ) أي: طريقة الضلالة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان -رحمهم الله-، وله اتجاه، ويتأيد بقوله: ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ).
وقوله -تعالى-: ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسلكُهُ عَذَابًا صَعَدًا ) أي: عذابًا مشقًّا شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد -رحمهم الله-: ( عَذَابًا صَعَدًا ) أي: مشقة لا راحة فيها. وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير) .
الاستقامة في السنة النبوية:
وردت في الأحاديثِ النبوية عدَّةُ أحاديثَ في نفسِ المعنى؛ منها:
عَنْ ثوبانَ -رضي الله عنه-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: ( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) . وعَنْ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: ( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ ) قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا أَنَا . إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ) (متفق عليه) .
فالمطلوبُ هوَ الاستقامةُ وهيَ السَّدادُ، فإنْ لَمْ يَقْدِرِ العَبْدُ عَلَيْها فَعَليهِ بالمقاربةِ مِنهَا؛ فالأمْرُ بالسَّدادِ، أمْرٌ بالإصابةِ وتحقيقِ الاستقامةِ: في النيَّاتِ والأقوالِ والأعمالِ. والمقاربةُ بَعْدَ فواتِ كمالِ الاستقامةِ تكونُ بحسبِ الطاقةِ، فإنْ لَمْ تُصِبِ الهدفَ فقارِبْهُ ما استطعتَ، مَعَ تجنُّبِ التفريطِ والإطاعةِ. وفي هَذا الحديثِ أنَّهُ لا يَرْكَنُ أحَدٌ إلى عَمَلِهِ ويُعْجَبُ بِهِ ويَرى فيهِ نجاتَهُ، فإنَّما النجاةُ تكونُ برحمةِ اللهِ -تعالى- وعفوِهِ وفضلِهِ.
صور من استقامة السلف الصالح:
ضَرَبَ كَثيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالحِ صُوَرًا عاليةً مِنَ الاستقامةِ في الدِّينِ ملأتْ كُتُبَ السيرةِ والتاريخِ، بما جَعَلَهُم أئمَّةً وقدوةً يُقتدى بها.
فَمِنْ ذَلِكَ:
الربيعُ بنُ خُثَيْمٍ (بضم الخاء) -رحمه الله-: الذي كان تلميذًا مقربًا لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، فكان يحبه ويدنيه، وكان إذا رأى الربيع قال: ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) (الحج: 34) . قال رجل من أصحاب الربيع -رحمه الله-: صحبنا ربيع بن خثيم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد، يعني: كلمة طيبة، كما في قوله -تعالى-: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) (فاطر: 10) . وعن بعضهم: صحبت الربيع عشرين عامًا ما سمعت منه كلمة تعاب.
وعروةُ بنُ الزبيرِ -رحمه الله- الذي قُطعت ساقُه لَمَّا أصابتها قرحةٌ مستعصيةٌ فاضطر الأطباء لقطعها، فقال ابنه عبد الله بن عروة: "نظر أبي إلى رجله في الطست، فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط، وأنا أعلم". ولما مات لعروة -رحمه الله- ابنه محمد قال: "اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثة؛ لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت".
الحافظُ عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله-: الذي قال عنه أبوه أبو حاتم -رحمه الله-: "ومن يقوى على عبادة عبد الرحمن؟ لا أعرف لعبد الرحمن ذنبًا!". وقال علي بن محمد البصري وهو في جنازة الحافظ ابن أبي حاتم: "رجل منذ ثمانين سنة على وتيرة واحدة، لم ينحرف عن الطريق".
ذم الإعراض عن الاستقامة:
وفي ذَمِّ كُلِّ مَنْ تنكَّبَ الاستقامةَ على الطريقِ في حياتِهِ الدنيويةِ يقولُ الشاعرُ معاتبًا:
يَا مُعْرِضًا عَنْ عِرْضِهِ وَحِسَابِهِ لَا يَسْتَـعِـدُّ لِـيـَوْمِ نـَشـْرِ كِـتَـابِـهِ
