شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الصائم الفائز والصائم الخاسر

الشيخ علاء بكر • التزكية

وقد قيل: إن الآية ضربت مثلًا لنفقة الرياء، حكاه الطبري عن السدي ورجحه. وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا أنها مثل ضربه الله -تعالى- للمرائين بالأعمال يبطلها الله -تعالى- يوم القيامة أحوج ما يكون المرء أحوج إليها. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنها لمن عمل لغير الله -تعالى- من منافق وكافر. وقيل: نزلت فيمن يبطل عمله بالمن والأذى، حكي عن ابن زيد -رحمه الله- في قول الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ) (البقرة: 264) .

ومثل ذلك في الدلالة على مغبة وعاقبة ارتكاب المعاصي والذنوب والاعتداء على حقوق الآخرين أو منعها: قصة أصحاب الجنة الواردة في سورة القلم في قول الله -تعالى- فيهم: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) (القلم: 17) أي: البستان المشتمل على أنواع من الثمار والفواكه ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ): حلفوا فيما بينهم ليقطعن ثمرها ليلاً لئلا يعلم بهم فقير، ليتوفر ثمرها عليهم فلا يتصدقوا منه بشيء كما كانوا يفعلون من قبل ( وَلَا يَسْتَثْنُونَ ) فيما حلفوا ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ) أصابتها آفة سماوية ( فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) الهشيم اليابس، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ( فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ) نادى بعضهم بعضًا في الصباح الباكر ليذهبوا إلى قطع الثمار ( أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ) تريدون الصرام، إذ كان حرثهم عنبًا؛ لذا ( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدًا كلامهم.

( أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينٌ ) أي: لا تمكنوا فقيرًا يدخلها عليكم ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ) عليها فيما يزعمون ويرمون ( فَلَمَّا رَأَوْهَا ) وصلوا إليها فوجدوها على حالتها سوداء لا ينتفع منها بشيء ( قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) اعتقدوا أنهم ضلوا الطريق، وأنهم سلكوا طريق غير طريق جنتهم، ثم رجعوا عما كانوا فيه لما تيقنوا أنها هي ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) لا حظ لنا ولا نصيب ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) المراد أعدلهم وخيرهم ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) فهلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم ( قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) فأتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وأبدوا الندم حيث لا ينجع.

( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ) يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه اعترافًا بالذنب والخطيئة ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) اعتدينا وبغينا وجاوزنا الحد ( عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . كَذَلِكَ الْعَذَابُ ) (القلم: 32-33) ، عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرًا ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (القلم: 33) ، هذه عقوبة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشق.

وقد ذكر بعض السلف: أن هؤلاء كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير سيرةً حسنةً فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنَّا منعناهم لتوفر ذلك علينا، لما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبقَ لهم شيء. (راجع في ذلك تفسير ابن كثير) .

السُّنة النبوية في هذا المعنى:

وفي هذا المعنى والمراد وردت أحاديث في السنة النبوية: منها ما جاء في حديث المفلس عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: ( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم) .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لهذا الحديث: "فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ) وفي رواية: ( مَنْ يَأْتِي بِحَسَنَاتٍ مِثْلِ الْجِبَالِ ) أي: يأتي بحسنات عظيمة، فهو عنده ثروة من الحسنات، لكنه يأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، أي: اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذ حقهم ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيقتص لهم منه، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته بالعدل والقصاص بالحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار -والعياذ بالله-.

تنقضي حسناته، ثواب الصلاة ينتهي، وثواب الزكاة ينتهي، وثواب الصيام ينتهي، كل ما عنده من حسنات ينتهي، فيؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، ثم يطرح في النار -والعياذ بالله-. وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا هو المفلس حقًّا أما مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، ربما يكون الإنسان فقيرًا فيمسي غنيًّا، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها ثم تؤخذ منه لفلان وفلان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية