الصائم الفائز والصائم الخاسر
الشيخ علاء بكر • التزكية
وفي هذا التحذير مِن العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينار حتى يفدي نفسه، ليس هناك إلا الحسنات؛ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ثُمَّ طُرِحَ عَلَيْهِ وَطُرِحَ فِي النَّارِ )، ولكن هذا الحديث لا يعني أنه يخلد في النار، بل يعذب بقدر ما حصل عليه من سيئات الغير التي طرحت عليه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، ولكن النار حرها شديد، لا يصبر الإنسان على النار ولو للحظة واحدة. هذا عن نار الدنيا فضلًا عن نار الآخرة، أجارني الله وإياكم منها" (ينظر شرح رياض الصالحين) .
ومنها ما رواه البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقضِي أَوْ يُقْضَى بِهَا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَسُعَ لهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ". أي: يوازن بين الحسنات والسيئات، ويقتص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته ابتداءً فقد نجا ودخل الجنة، ومن كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته، وبقي له حسنة دخل بها الجنة.
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: "قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحي الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب".
وقال أيضًا: "وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلا بد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش".
وقد ورد أن ابن عمر -رضي الله عنهما- أعتق مملوكه الذي ضربه، وقال: "ليس لي فيه من الأجر شيء"، حيث كان كفارةً منه لذنبه ولم يكن ذنبه من الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفر للكبائر.
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "فإذا كان هذا في الصغائر؛ فكيف بالكبائر؟! فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية لها، كما يبطل المن والأذى الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت عائشة"؛ يعني حديث عائشة -رضي الله عنها- عن ابن إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها-، فدخلت أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقداً. فقالت لها عائشة -رضي الله عنها-: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، إذ ذلك عند عائشة هو بيع عينة محرم، وقالت: إن جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بطل إلا أن يتوب (رواه الدارقطني، والبيهقي) . وامرأة أبي إسحاق السبيعي مجهولة الحال، لم تثبت عدالتها.
وعن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي: ( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ )، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: ( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ )، فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا. وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبته. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله -تعالى-. فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ ) (رواه مسلم) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "فلما رأى أنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكره بهذه الموعظة العظيمة أن الله أقدر عليه من قدرته على هذا العبد، سقطت العصا من يده هيبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أعتق العبد، وهذا من حُسْن فهمه -رضي الله عنه-؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) (هود: 114) فبدلًا من أنه أساء إلى هذا العبد أحسن إليه بالعتق؛ ولهذا أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك بأن من ضرب عبدًا أو لطمه فإن كفارة ذلك أن يعتقه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات" (ينظر: المصدر السابق) .
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ ) (رواه مسلم) . وعن أبي علي سويد بن مقرن -رضي الله عنه- قال: "لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نعتقها" (رواه مسلم) . وفي رواية: سابع إخوة لي.
وفي بيان مغبة الغيبة، ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حسبك من صفية كذا وكذا -قال بعض الرواة تعني أنها قصيرة-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
قال النووي -رحمه الله- في رياض الصالحين: "ومعنى مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها. وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة". وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة".
والحمد لله رب العالمين.
