الصائم الفائز والصائم الخاسر
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالصائم الفائز هو: الصائم الذي اجتهد في عبادة الله -تعالى- طوال شهر رمضان؛ الذي اكتسب بفضل الله ثوابًا كبيرًا سيفرح به عندما يجده في ميزان حسناته عند لقاء ربه -تعالى- يوم القيامة، أشبه بالتاجر المجتهد الذي ربح في تجارته الربح الوفير الذي يكفيه ليعيش به حياةً هانئةً إن حافظ عليه.
أما الصائم الخاسر فهو: مَن ضيَّع ما اكتسب من حسنات في رمضان بانتكاسته بعد رمضان، والتفريط فيما اكتسبه من حسنات في رمضان بالوقوع في المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها، فإن السيئات يذهبن الحسنات كما أن الحسنات تذهبن السيئات، فإذا لقي هذا الصائم الخاسر ربَّه يوم القيامة لم يجد تلك الحسنات التي جناها في رمضان في ميزان حسناته أحوج ما يكون إليها.
وقد حذَّر القرآن الكريم من هذا الحال أشد التحذير بضرب مَثَلٍ له بليغ لمن يتأمله، يصور فيه مدى ندم وحسرة من انقلب حاله بعد الغنى إلى الفقر أحوج ما يكون إلى المال؛ كالتاجر الذي فرط في الربح الوفير، والذي لا يقل عنه الصائم الخاسر في التحسر والندم حيث لا ينفع التحسر والندم؛ قال الله -تعالى- في سورة البقرة: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (البقرة: 266) .
فهذا مثل الذي عمل لله -تعالى- ثم أبطل عمله بمناف له، يشبه صاحب هذه الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت حاجة صاحبها إليها، وهو حال من ضيع ثواب رمضان الذي حصله باجتهاده في الطاعة في رمضان فلم يجده في صحيفة حسناته يوم القيامة أحوج ما تشتد حاجته إليه، فقد أحسن أولًا، ثم انتكس وانعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات، فأبطل بعمله الثاني ما تقدم من عمله الصالح السابق، فخانه عمله الصالح أحوج ما يكون إليه.
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: "وأما مَن أنفق لله ثم اتبع نفقته منًّا وأذى، أو عمل عملًا فأتى مبطلًا لذلك العمل، فهذا مثله مثال صاحب الجنة، لكن سلط عليها ( إِعْصَارٌ ) وهو الريح الشديدة ( فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) وله ذرية ضعفاء، وهو ضعيف قد أصابه الكبر، فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدر هذا المثل بقوله: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ) إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تلفها دفعة واحدة بعد زهاء أشجارها، وإيناع ثمارها، مصيبة كبرى، ثم حصول هذه الفاجعة وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل، وله ذرية ضعفاء لا مساعدة منهم له، ومؤنتهم عليه فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمناف له يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها".
توضيح المثل المضروب:
- ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ): أيحب، ( أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ): خص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر، ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ).
( وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ ): قال الزجاج -رحمه الله-: الإعصار في اللغة: الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود. وقيل لها ( إِعْصَارٌ )؛ لأنها تلتف كالثوب إذا عصر فإنه يصعد عمودًا ملتفًّا، فهي ريح ترتفع إلى السماء كأنها عمود. قال السدي -رحمه الله-: الإعصار الريح والنار السموم، يعني بالسموم: الرياح الحارة. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ريح فيها سموم شديدة. كما قال -تعالى- عن أصحاب الشمال: ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ) (الواقعة: 41- 44) .
إعصار النار:
هو نوع من الأعاصير نادر الحدوث، لكنه شديد الخطورة، يحدث غالبًا في حرائق الغابات، نتيجة مزيج من الحرارة الشديدة الناتجة من الحرائق والرياح المضطربة والتيارات الهوائية المتصاعدة، حيث يؤدي ذلك إلى دوران الهواء الساخن بسرعة كبيرة ساحبًا معه اللهب والدخان والجمر إلى الأعلى بشكل عمودي، في دوامة نارية قد تصل سرعتها إلى 100 ميل في الساعة لتلتهم كل شيء في طريقه، فيتسبب في دمار لمساحات واسعة من الأرض. ويعد ذكر تلك الظاهرة النادرة في القرآن الكريم من ريح شديدة محملة بالنار عند العلماء إشارة إعجازية دقيقة لظاهرة نادرة الحدوث.
( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ): أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها، كما قال -تعالى-: ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت: 43) .
وقد روى البخاري في تفسيره عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيم ترون هذه الآية نزلت: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ )، قالوا: الله ورسوله أعلم. فغضب عمر -رضي الله عنه-، وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم! فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين؛ قال عمر -رضي الله عنه-: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك؛ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله -عز وجل- له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله، وفي رواية: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء. فرضي ذلك عمر -رضي الله عنه-.
وروى ابن أبي مليكة -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- تلا هذه الآية، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية -رحمه الله- في تفسيره، فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها؛ وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع، وغيرهم.
