الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (252) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (2)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء: 69- 89) .
في الآيات فوائد:
الفائدة الأولى: وجوبُ الدَّعوةِ إلى الله -عز وجل- والأمرُ بالمعروفِ، وأعظمُهُ: التوحيدُ، والنهيُ عَنِ المنكرِ، وأعظمُهُ: الشركُ.
الفائدة الثانية: أنه يبدأ في الدعوة الأقربين قيامًا بحق الله سبحانه ثم قيامًا بحق القرابة، فالنصيحة للآباء والأمهات والإخوة والأخوات والعمات والأعمام، والأخوال والخالات، والأبناء والبنات، مقدمة على الآخرين؛ لأن النصيحة أعظم ما يقدِّمه العبد لقرابته في نجاتهم من سخط الله -عز وجل- وعقابه؛ قال الله -تعالى- لنبيه محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (الشعراء: 214) ، وفي التلاوة المنسوخة: "وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ".
وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أنزل الله عليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )، قام على الصفا فقال: ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) (متفق عليه) . وفي الرواية الأخرى: ( أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) (رواه مسلم) .
الفائدة الثالثة: الآية والحديث السابق دليل على أن القرابة للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ولو كان من أقرب الناس إليهم لا تنفع مَن لم يؤمن منهم ويعمل الصالحات، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يملك لأبيه من الله شيئًا إذ كفر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صرَّح لفاطمة ابنته -رضي الله عنها-، ولعمه العباس ولعمته صفية -رضي الله عنهما- أنه لا يملك لهما من الله شيئًا، وفي هذا رَدٌّ على كل الذين يغالون في أهل بيته -عليه الصلاة والسلام- ممن لم يؤمنوا؛ حتى غلوا في عمه أبي لهب! وكره بعضهم أن يقرأ في الصلاة أو حتى في المصحف سورة المسد؛ لأجل ذِكْر عمه أبي لهب؛ بزعم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-!
ونعوذ بالله من الضلال؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلاها وقرأها، وما من سورة من سور المفصل إلا قرأها -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، ومع ذلك يتجرؤون على ترك سورة عظيمة من القرآن؛ لأجل زعمهم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وملعون مَن آذى النبي -صلى الله عليه وسلم-، نعوذ بالله من الضلال، ولوازم هذا القول الكفر الصريح.
وكذا غَلَوْا في عمه أبي طالب وزعموا وفاته وجده عبد المطلب؛ فضلًا عن أبي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمه أنهم ماتوا على الإيمان، بزعمهم أن الإيمان هو المعرفة -وقد كانت عند أبي طالب المعرفة-، رغم الآيات التي نزلت في عمه أبي لهب بالتصريح بأنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وكذلك في عمه أبي طالب رغم تصديقه الباطن بنبوته -صلى الله عليه وسلم-، وإقراره بلسانه أن دين محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- خير أديان البرية دينًا، ومع ذلك قال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113- 114) . وأنزل الله -عز وجل- في أبي طالب: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (القصص: 56) .
الفائدة الرابعة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا تَعْبُدُونَ ): استفهام إنكار في حقيقته وإن أجاب قومه عليه بحقيقة الأمر وأنهم يعبدون أصنامًا فَيَظَلُّوا لها عاكفين أي: ملازمين مقيمين، ماكثين خدمًا لها -فيما يظنون-. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الصلاة لأصنامهم يعني عاكفين أي: مصلين، وهذا أعظم الجهل وأعظم الظلم أن يعبد الإنسان ويخضع لمَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئًا.
