شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (14) اسم الله (الهادي) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التَّعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتَّعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد اسمه -سبحانه- (الهادي) في القرآن الكريم مرتين وذلك في قوله -تعالى-: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) (الفرقان: 31) ، وقوله -سبحانه- : ( وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الحج: 54) .

- معناه في حق الله -تعالى-: قال الشيخ السعدي: "(الهادي) أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره" (تفسير السعدي) .

الوقفة الأولى: أنواع الهداية في الدنيا:

النوع الأول: الهداية العامة المشتركة بين الخلق إلى ما يصلح أمور معاشهم وحياتهم، من تحصيل المنافع وكسب الأرزاق وطلب الأقوات: قال -تعالى-: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (الأعلى:2-3) ، وقال -تعالى-: ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه: 50) .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "أي: أعطى كل شيء صورتَه التي لا يشتبه فيه بغيره، وأعطى كل عضو شكلَه وهيئته، وأعطى كل شيء موجودٍ خَلْقَه المختصَّ به، ثم هداه إلى ما خلَقَه له من الأعمال" (انتهى) .

وقال -تعالى-: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تَرْجَعُونَ ) (المؤمنون: 115) .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولم يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود، الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا وسدًى معطلًا، لا يأمره ولا ينهاه ولا يُثيبُه ولا يعاقبه؟!" (بدائع الفوائد) .

النوع الثاني: هداية الدلالة والبيان والإرشاد إليه -عز وجل-، وهذا النوع من الهداية قد خصَّ الله -تعالى- به المكلفين من الإنس والجن دون غيرهم، وهو وظيفة الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين: قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى: 52) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) (الإسراء: 15) ، وقال: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء: 165) .

- ومع ذلك فقد يبعث الله الرسل وينزل الكتب بهداية الدلالة والبيان، لكن الناس لا يستجيبون: قال -تعالى-: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (فصلت: 17) .

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يتخلُّفُ عنها؛ قال -تعالى-: ( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) (النحل: 93) ، وقال -تعالى-: ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) (الإسراء: 97) . وقال -تعالى-: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) (القصص: 56) ، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (غافر: 28) .

وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضَلَّ لَهُ ) (رواه مسلم) . وعن سعيد بن المسيب عن أبيه -رحمهما الله- قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ). وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (رواه البخاري ومسلم) . قال -تعالى-: ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (الأنعام: 125) .

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الهادي):

أولاً: محبة الله -عز وجل- وتعظيمه والثناء عليه: حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك هدايته -سبحانه- لعباده حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لبيان سبل الهدى والحق والتحذير من طريق الغواية والضلال، ومنح لعباده العقول التي تدلهم على الله -عز وجل- وتهديهم إليه بما أودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته -سبحانه-.

الصفحة التالية