شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الله -عز وجل- الذي لا يعرفه داروين (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالباحث الإنجليزي تشارلز داروين هو صاحب كتاب (أصل الأنواع) الذي نشره عام 1859م، وطرح فيه نظريته عن النشوء والارتقاء، معتبرًا أن أصل الحياة على الأرض يرجع إلى خلية كانت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين. وقد أخذت هذه الخلية في التطور عبر مراحل كثيرة طويلة وبطيئة أدت إلى ظهور الإنسان في صورته الحالية! وتفترض تلك النظرية أن تطور الحياة في الكائنات العضوية كان دائمًا تطورًا من السهولة والبساطة إلى الدقة والتعقيد، أي أن هذه الكائنات العضوية كانت تتدرج من الأحط إلى الأرقى.

وتنسب هذه النظرية هذا التدرج وهذا التطور إلى (الطبيعة)، فالطبيعة عند دارون هي التي وهبت كل الكائنات العضوية الموجودة على الأرض عوامل البقاء والنمو والتكيف لينتج منها أنواعًا أكثر رقيًّا. وقد تلت كل مرحلة من مراحل هذا التطور المرحلة التي سبقتها بطريقة حتمية فرضتها وحددتها العوامل الخارجية المحيطة بها، وخط سير هذا التطور هو خط لا يسعى لغاية مرسومة أو هدف بعيد؛ لأن هذه الطبيعة التي أوجدت هذا التطور غير عاقلة ولا واعية بما توجده. أي: أن دارون يقر بأن هذه الطبيعة تُطوِّر وتَرْتقي بدون خطة مرسومة، بل خبط عشواء، ولا تسير على قاعدة مطردة منطقية، ولكنها مع ذلك نجحت في إيجاد كائنات جديدة غاية في الرقي، وتجلى هذا الرقي في ظهور الإنسان.

وفي الوقت الذي ينفي فيه دارون وأتباعه وجود الخالق أو يثبتون وجوده فهم يرون أنه ليس بالخالق للمخلوقات بكل أنواعها، إذ ينسبون خلق هذه المخلوقات بكل أنواعها إلى الطبيعة، أي: أن الطبيعة خالقة الأشياء، وأنها لا حد لقدرتها تلك على الخلق. وقد تجاهل هؤلاء الدارونيون الفارق عندهم بين الاعتقاد في تلك الطبيعة الخالقة غير العاقلة وبين الاعتقاد بوجود الله -تعالى- الخالق البارئ المصور الحكيم العليم القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى!

وقد رسَّخت نظرية دارون تلك مفهوم الماديَّة البَحْتة للحياة وساد معها الاعتقاد العام بأن كل ما هو جديد فهو أفضل وأكمل على الإطلاق من غيره طالما أنه تالٍ له في الوجود.

والحقيقة التي يتهرب منها الدارونيون: أن نظرية التطور تلك ما هي إلا خرافة لا علاقة لها بالعلم؛ إذ إن أجزاءً كبيرة من سلسلة أو حلقات تطور الكائنات على الأرض من خلية أحادية إلى نبات وحيوان وطيور ثم إلى إنسان راقٍ مفقودة، عجز -وسيعجز- هؤلاء الدارونيون عن الإتيان بها؛ لأن وجود هذه السلسلة المتدرجة التي يزعمونها مشكوك فيها غاية الشك، فزعم أن المخلوقات ككل إنما وجدت من خلال متسلسلة وراثية طويلة نتج بعضها من بعض بطريقة التعاقب خلال عملية تطور بطيئة وطويلة لا يمكن البرهنة عليه؛ إذ توجد حلقات عديدة مفقودة في سلسلة التطور هذه المزعومة.

وغاية ما في وجود حلقات من تلك السلسلة المزعومة غير المكتملة أن تكون دليلًا على الوجود المتميز الناتج عن عملية خلق لمخلوقات خاصة متميزة لا من مخلوق واحد فقط، وهذا ما اعترف به بعض الدارونيين بأن هناك أصولًا عدة للمخلوقات لا أصل واحد فقط تفرعت عنها أنواع المخلوقات.

قال أوستن كلارك: "لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أيًّا من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيرها، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي الشكل الذي تراه عليه الآن" (ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة) . وقال ستانون: "إن الأقرب من الحقيقة أن تقول: إن جزءًا كبيرًا من السلسلة مفقودة وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة نفسها".

وقد أُرغِمَ أيضًا آخرون من الدارونية على الإقرار بتفرد الإنسان بيولوجيًّا رغم التشابه الشكلي الخارجي بينه وبين القرد بعد التعرف حديثاً على وحدات الوراثة (الجينات) الخاصة بكل مخلوق على اختلاف أنواع المخلوقات، والتي تشير بوضوح إلى الاختلاف التام لتركيب خلايا الكائنات جينيًّا رغم التشابه الخارجي الذي يكون بينها. وهذه هي النقطة الفاصلة التي فضحت داروين وأتباعه.

قال كريسي موريسون في ذلك: "إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة (الجينات)، وقد وقفوا مكانهم حيث يبدأ التطور حقًّا؛ أعني عند الخلية" (راجع المصدر السابق) . إن نظرية دارون يجب أن تدخل متحف النسيان بعد اكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) في الخلايا، باعتبار هذه الجينات وما عليها من الكروموسومات هي الشفرة السرية للخلية حسب نوع كل مخلوق، واعتبارها تحمل الصفات للإنسان الكاملة ولغيره وتحفظ الشبه الكامل للنوع.

لقد أثبتت الهندسة الوراثية: أن كل مخلوق من المخلوقات على الأرض على اختلاف أنواعها وأجناسها تختلف اختلافًا تامًّا في تركيب خلاياها بسبب ما تملكه من صفات وراثية خاصة بها تحملها جيناتها وتميزها عن غيرها. ولا يمكن أن تكون خلايا منها جاءت من خلايا نوع آخر، بل هي خُلقت مستقلة؛ لذا فلا يمكن أن ينطبق عليها أي نظام للترابط والارتقاء فيما بينها.

وقد تكلم في إبطال نظرية دارون تلك وفي رفضها العديد من العلماء الغربيين؛ منهم: (أجاسيز) في إنجلترا، و(أوين) في أمريكا، و(باستور) و(كريسي موريسون) و(ستيورات تشيس) وغيرهم. (راجع مذاهب فكرية في الميزان، د. علاء بكر) .

الصفحة التالية