الله -عز وجل- الذي لا يعرفه داروين (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقال الحليمي في اسم البارئ: (وهذا الاسم يحتمل معنيين: أحدهما: الموجد لما كان في معلومه من أصناف الخلائق، وهذا هو الذي يشير إليه قوله -عز وجل-: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) (الحديد: 22) . ولا شك أن إثبات الإبداع والاعتراف به للباري -عز وجل- ليس على أنه أبدع بغتة من غير علم سابق له بما هو مبدعه، لكن على أنه كان عالما بما أبدع قبل أن يبدع، فكما وجب له عند الإبداع اسم البديع وجب له اسم البارئ).
والآخرُ: أَنَّ المُرادَ بالبارئِ قالبُ الأعيانِ، أيْ أَنَّهُ أبدعَ الماءَ والترابَ والنَّارَ والهواءَ لا مِنْ شَيءٍ، ثمَّ خَلَقَ منها الأجسامَ المختلفةَ، كَمَا قالَ -عز وجل-: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (الأنبياء: 30) ، وقال: ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ) (ص: 71) ، وقال: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ ) (الروم: 20) ، وقال: ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) (النحل: 4) ، وقال: ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ . وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) (الرحمن: 14-15) ، وقال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ . فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (المؤمنون: 12-14) .
فيكون هذا من قولهم: برأ القواس القوس إذا صنعها من موادها التي كانت لها، فجاءت منها لا كهيئتها، والاعتراف لله -عز وجل- بالإبداع يقتضي الاعتراف له بالبرء؛ إذ كان المعترف يعلم من نفسه أنه منقول من حال إلى حال، إلى قدر على الاعتقاد والاعتراف، والله أعلم) (ينظر: أسماء الله الحسنى وصفاته العليا: دراسة تطبيقية ونظرية لابن القيم - إعداد عماد زكي البارودي) .
وقال ابن كثير -رحمه الله-: (وقوله -تعالى-: ( الْخَالِقُ الْبَارِئُ ) أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار، كقوله -تعالى-: ( فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ )، ولهذا قال ( الْمُصَوِّرُ ) أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها).
- وقالَ -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (آل عمران: 6) .
- وقالَ -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) (الانفطار: 6-8) .
- وقالَ -تعالى-: ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (غافر: 64) .
- وقالَ -تعالى-: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (التغابن: 3) .
ومن أسماء الله -تعالى- الحُسنى أيضًا: (المبدئُ) و(المعيدُ):
- قالَ -تعالى-: ( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) (البروج: 13) . (قال أبو سليمان: المبدئ: الذي أبدأ الإنسان، أي ابتدأه مخترعًا فأوجده من عدم. يقال: بدأ وأبدأ وابتدأ بمعنى واحد. والمعيد: الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، ثم يعيدهم بعد الموت إلى الحياة، كقوله -عز وجل-: ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (البقرة: 28) (ينظر: أسماء الله الحسنى وصفاته العليا لابن القيم) .
وقال الله -تعالى- في قصة إبراهيم -عليه السلام- مَعَ قومِهِ: ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (العنكبوت: 19-20) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- مخبرًا عن الخليل -عليه السلام- أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه. ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء، السماوات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال وأودية وبراري وقفار وأشجار وأنهار وثمار وبحار.
كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون؛ ولهذا قال: ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )، كقوله -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . ثم قال -تعالى-: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) أي: يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير. وهذا المقام شبيه بقوله -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )، وكقوله -تعالى-: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ )".
- وقالَ -تعالى-: ( اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (الروم: 11) .
