الله -عز وجل- الذي لا يعرفه داروين (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أخبرَ اللهُ -تعالى- أَنَّهُ هوَ الذي خَلَقَ -ويخلقُ- الخَلْقَ في بطونِ أمهاتِهِم في أطوارٍ، وأَنَّهُ -تعالى- هوَ الذي جَعَلَ -ويجعلُ- حياةَ الخَلْقِ في الدُّنيا أيضاً في أطوارٍ:
- قالَ اللهُ -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) أي: خلقنا أباكم آدم من تراب ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) أي: ثم من ماء الرجل ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) أي: ثم من قطعة من الدم ( ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) أي: تامة وغير تامة ( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) كمال قدرتنا ( وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ) أي: ونثبت في الأرحام ما نشاء تثبيته ( مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) نهايته في الضعف ( لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) (الحج: 5) (راجع التفسير الميسر) .
- وقالَ -تعالى-: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ) رحم المرأة ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) (المؤمنون: 12-16) .
- وقالَ -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) أي: خلق أباكم آدم من تراب وأنتم فرع عنه ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) أي: ثم من ماء يخرج من الرجل فيصب في رحم المرأة ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) أي: ثم تتحول هذه النطفة إلى قطعة من الدم ( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ) أي: أنتم تعيشون في هذه الدنيا إلى أجل محدد ثم تموتون من بعده ( وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (غافر: 67) (التفسير الميسر) .
- وقالَ -تعالى-: ( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) أي: عبثًا ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) (القيامة: 36-40) .
- وقالَ -تعالى- علَى لسانِ نوحٍ -عليه السلام-: ( مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) (نوح: 13-14) .
- وقالَ -تعالى-: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً . يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) (الروم: 54) .
والعربُ لَمْ تستعملِ الفِعْلَ (تطورَ) بِمَعنى الانتقالِ مِنْ طورٍ إلى طورٍ، وإنمَا استعملتِ (الطورَ) بِمَعنى الامتدادِ في الشَّيءِ مِنْ مَكانٍ أو زمانٍ، ومِنْ ذَلِكَ: طوارُ الدارِ، وهو الذي يمتدُّ مَعَها مِنْ فنائِها، ولِذلكَ يُقالُ: عدا طورَهُ، أيْ: جازَ الحَدَّ الذي هوَ لَهُ مِنْ دارِهِ، ثمَّ استعيرَ ذَلِكَ في كُلِّ شَيءٍ يتعدَّى.
وقدْ ذَكرَ ابنُ مَنْظُور في (لسان العرب) مادةَ: طور، وقالَ: الطورُ التارةُ، تقولُ: طورٌ بَعْدَ طورٍ، تارةً بَعْدَ تارةٍ، وجَمْعُ الطورِ: أطوارٌ، وهوَ الحالاتُ المختلفةُ. والطورُ أيضاً الحَدُّ بَيْنَ الشَّيئَيْنِ. ولَمْ يذكرِ ابنُ مَنْظُور التطورَ، ولا الفِعْلَ تطورَ، وقَبْلَهُ كَذلكَ ابنُ فارِس-. (راجع في ذلك: السلفية وقضايا العصر، د. عبد الرحمن بن زيد) .
و(وفقَ المَعنى اللُّغويِّ لِلطورِ والأطوارِ فإنَّ الانتقالَ مِنْ طورٍ إلى آخرَ مُطلقٌ مِنَ الحُكْمِ، أي: أَنَّهُ قَدْ يَكونُ مِنْ سَيءٍ إلى حَسَنٍ، أو العَكْس، أو مِنْ وَضْعٍ إلى وَضْعٍ مُساوٍ لَهُ). فلا يتضمنُ التطورُ في ذاتِهِ مَعنى التَّقدمِ، فالتطورُ في اللُّغةِ يعني مُجرَّدَ التبدلِ لا يتضمنُ مَعنى الارتقاءِ. ولَكنْ في فِكرنا المُعاصرِ المُستمدِّ مِنَ المَفاهيمِ الغربيَّةِ نجدُ أَنَّ لفظةَ (التطور) مُرادفةٌ لِلفظتَيْ: التَّقدم والارتقاء أكثر مِمَّا هيَ مُرادفةٌ لِلفظتَيْ التَّحول أو التَّغير. (راجع في ذلك المصدر السابق) . (لكن مجمع اللغة العربية اشتق فعلين من هذه المادة: طور: بمعنى حول من طور إلى طور. وتطور: أي تحول من طور إلى طور. فالتطور إذن هو التحول من حال إلى حال مطلقًا) (المصدر السابق) .
ومن أسماء الله -تعالى- الحُسنى أنه (البارئُ) و(المصورُ)، والاسمانِ يتضمنانِ مَعنى زائدًا عن معنى الخلق:
- قالَ اللهُ -تعالى-: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الحشر: 24) .
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية: (الخلق: التقدير، والبرء هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدَّر شيئًا ورتَّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله -عز وجل-. قال الشاعر يمدح آخر: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد. فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ).
