شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجزء الثالث من حوار موقع الجماعة الإسلامية مع الشيخ ياسر برهامي

صوت السلف • حوارات

أدعو للحرامي الذي سرق شقتي !!

اليوم نلتقي مع الجزء الثالث والأخير من حوارنا مع ضيفنا الدكتور ياسر برهامي الذي نحبه ويحبنا لوجه الله -سبحانه-، راجين الله أن يتقبل منا جميعا وأن ينفع الناس بهذا الحوار.

- سرقت شقتك قريبا... فما كان شعورك بعد سرقتها؟

حمدت الله -تعالى- واسترجعت، وتذكرت أن الإنسان في هذه الدنيا لابد له من بلاء، وهذا من أهونه، وقد قال -تعالى-: (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157) ، ثم إن أمر الأموال بين ذهاب ومجيء، زيادة ونقص، وآلام زوالها سريع لمن تفكر في حقيقة الدنيا ، فقد جعلها الله -تعالى- مثل النعل لنسير به إلى الغايات المحمودة، لا لنجعلها تاجاً نختال به على الناس، فالنعل إذا انقطع أتانا الله بغيره.

أتذكر قصة طريفة حكاها لي أحد الإخوة الذين وسع الله عليهم، قال لي: وأنا طالب كنت أتمنى أن يكون معي خمسة آلاف جنيه، وأقول لنفسي: لو آتاني الله ذلك ما طلبت شيئاً، فلما فتح الله علي، وصار معي خمسين ألفا قلت لنفسي: "هو أنا معايا حاجة"!!

لقد جعل الله -تعالى- أمر الأموال مثل النعل لنسير به إلى الغايات المحمودة، لا لنجعلها تاجاً نختال به على الناس

فلعل هذا النقص يكون رحمة بنا حتى لا نستغرق في طلب المزيد، ولا نختال بالنعال فوق رؤوسنا.

- ماذا تقول للسارق الذي سرق شقتك؟

أنا مشفق على هذا السارق؛ لأن المال الحرام لا بركة فيه ولا لذة، وسرعان ما يفقد في الحرام، فتذهب لذته، وتبقى تبعته، فأقول له: أدرك نفسك، وأزل التبعة عن نفسك قبل أن تفوت فرحة الدنيا، وأنا -والله- أدعو لك بالهداية وأن يتوب الله عليك؛ لأن الحرام عذاب في الدنيا بالهم والحزن والضيق، وفي الآخرة بعقاب الله -تعالى-، وقد كان ولدي الحسين يقول لي: ادعُ على الحرامي، فأقول له: بل أدعو له، على الأقل هناك احتمال لو هداه الله أن تعود الفلوس.

- ماذا ترى في ظاهرة انتشار السرقة في المجتمع المصري، حتى وصل الأمر إلى عودة سرقت الغسيل والبلاعات، وما هي أسباب انتشار السرقة الآن؟ وما الحل الناجح الذي ترى لمعالجة هذه الظاهرة الفظيعة؟

الحل: هو صدق الالتزام بالطاعة، ونشر التدين والترهيب من الحرام والترغيب في الصبر والاحتساب

الكثير يعلل انتشار السرقة بالأوضاع الاقتصادية المتردية وحاجة الناس، وكأنه يبرر لهم ما يصنعونه، والحقيقة أن الأوضاع الاقتصادية نادراً ما تؤدي للسرقة وأكل الحرام، ولكنه ضعف التدين أو انعدامه، وكثرة المقارنة بمن هو فوقنا. فالإعلام يعرض للناس أنواع القصور، وليس فقط الشقق والسيارات الفارهة والنساء الجميلات المتبرجات -اللاتي يعد النظر في وجوههن في حقيقة الأمر عقوبة، فكيف بالأجساد؟-، وأنواع الأطعمة والملذات.

فإذا لم يكن هناك في القلب تقوى تطلع الإنسان إلى نيل كل ذلك، ولا سبيل له، فيفكر في السرقة والرشوة والربا، ولا يتوقف عند حد، فالمرتشون بالملايين، والذين يقترضون من البنوك بالربا بالملايين، والذين يأخذون الملايين لا يشبعون، وينهبون أموال شعوبهم وفقرائهم.

ولو نظرنا إلى حال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوجدنا فقراءنا أغنياء بالنسبة لهم!!

ألم يزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من أصحابه ليس له إلا الإزار، ليس له رداء ولا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة إلا الإزار؟!

ألم يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- في حر الظهيرة من الجوع؟!

ألم ينم النبي -صلى الله عليه وسلم- على حصير أثر في جنبه؟!

كان مجتمع الصحابة -رضي الله عنهم- يمتلئ بالفقراء، ولكن كانوا في كمال العفة والغنى.

فالحل: هو صدق الالتزام بالطاعة، ونشر التدين والترهيب من الحرام والترغيب في الصبر والاحتساب، والفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فكم تساوي دنيانا؟!

- اليوم هناك دعوة موجودة في الفضائيات والنت والبعض يقول: إنها دعوة بلا تربية فهي ضعيفة الأثر، والدعوة بدون التربية تكون قيمتها بسيطة فما رأيكم في هذه القضية؟

ولا نرضى بأذية مسلم، ولا نتسبب فيها

لا شك أن كل مسلم يفرح لكل صور الخير، والدعوة في الفضائيات فيها خير كثير، كما أن فيها دخن ونقص، ولكن في الماضي لم يكن إلا الدخن. حتى ولو كانت الدعوة في الفضائيات ضعيفة الأثر في باب التربية، وليست منعدمة الأثر، فالخير فيها أكثر من الشر.

وعلينا أن نتكامل في تحصيل الخير، لا أن يقطع بعضنا طريق بعض فيه، فالمساجد لابد من التربية فيها، والبيوت أهم، والصداقة والصحبة في الخير أعظم الأمور أهمية، والفضائيات تمهد الطريق، وعلى بعضنا تكملة البناء.

- هل ترى معي أن الأجيال السابقة من المتدينين من كل الجماعات أقوى تدينا وأصلب عوداً وأكثر تمسكاً وفهماً للدين وإخلاصاً له؟ أم ماذا ترون؟

كل جيل فيه سابقون كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (في كل قرن من أمتي سابقون) ، فلا نبخس أحداً فضله، لأنه صغير أو التزم حديثاً، كما لا ننسى للسابق فضل السبق، ولا شك أن السير بالليل صاحبه أسبق، فالذي يعمل في جو لم يكن فيه التزام وسط ظلام الفتن وغربة الدين، أفضل ممن دخل في الالتزام بعد أن طلعت شمس الدعوة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

وأظن أن الغربة في زماننا بالنسبة للملتزمين حقاً -لا مظهرياً- ما زالت شديدة، إن لم تكن أشد، لكن الالتزام الحقيقي من الداخل، وتغيير الأحوال الباطنة والأخلاق والسلوك والمعاملات وأداء العبادات من القلب -وهذه حقيقة الالتزام- ليس بالأمر الهين.

لقد جاء هذا الحوار ليؤكد أن المساحة التي تتقاطع فيها دائرة كل منا مع الأخرى كبيرة، بل أكبر بكثير مما تتفارقان

الصفحة التالية