الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (255) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء: 69- 89) .
الفائدة التاسعة:
دلَّ قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ) على انفراد الرب -سبحانه وتعالى- بالإحياء والإماتة، وهذا من توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المشركون من قريش كما قال عز وجل: ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ )، ولم يخالف في ذلك إلا النمرود الجبار قديمًا، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه، قال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 258) .
ولم يكن ادعاؤه أنه يحيي ويميت فيما يُشاهد من الإماتة والإحياء، ولكنه إنما أتى برجل ليس عليه جرم فقتله، وأتى برجل عليه جريمة يستحق عليها الإعدام فأطلقه.
والعجب: أنه خالف في زماننا في هذه المسألة العظيمة غلاة الصوفية الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويزعمون أنهم يتبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم، فخالفوا في ذلك ونسبوا إلى الأولياء بعد الأنبياء الإحياء والإماتة!
وفي "خرافات الشعراني" في كتابه "طبقات الصوفية" شيء كثير من ذلك، ويا ليتهم قالوا ذلك على سبيل الدعاء لله -عز وجل-، والتسبب في أن يحيي الله -عز وجل- الموتى كما كان عيسى -صلى الله عليه وسلم- يفعل، لكنهم يجعلون ذلك من باب التدبير الذي نسبوه لأوليائهم! فهم عندهم مدبرو شئون العباد، ولا يكادون يذكرون الله -عز وجل- في قصصهم الخرافية في إثبات هذه الصفة من صفات الربوبية!
ومن أشهر قصصهم السخيفة: قصة إبراهيم الدسوقي مع التماسيح، وهم يزعمون أن التماسيح قد كثرت على عهد إبراهيم الدسوقي في النيل، فاختطف تمساحٌ منها صبيًّا فجاءت أمه إلى إبراهيم الدسوقي، فأرسل رجلًا من أصحابه فوقف على شاطئ النيل، فقال: "يا معشر التماسيح من اختطف منكم صبياً فليأت به فخرج التمساح يمشي، وقال: سمعًا وطاعة لسيدي إبراهيم الدسوقي، ومن كرامته عليَّ أن لا أدخل عليه إلا وأنت على ظهري (ولا ندري كيف يركب على ظهر تمساح وهو من الزواحف التي تمشي على بطنها!)، فدخل هذا المريد على ظهر التمساح، فقال إبراهيم الدسوقي: أخرج الصبي فأخرجه حيًّا يلعب! ثم قال للتمساح: مت الآن فمات من ساعته!".
وهذا دون أي وسيلة من وسائل القتل التي يستعملها الناس، ثم أشار للنيل فتحول مجرى النيل بعيدًا عن قرية دسوق في ذلك الوقت!
وهذه القصة يتناولها الكبار والصغار والعجائز؛ زعمًا منهم أنها من كرامات إبراهيم الدسوقي.
ومن أعجب هذه القصص: "قصة الشيخ الشهاوي الذي كان من شيوخ الشافعية في زمنه وأرسل رجلًا من أتباعه ليبشر بأوراد الطريقة في السودان فغضب الشيخ المرغني زعيم الطريقة الختمية هناك، فقبض روح الرجل فجاءه أصحابه، وقالوا: أدرك صاحبنا، فإن الشيخ المرغني قد قبض روحه فهم صدَّقوا أيضًا (هذه الخرافة) فطار إليه (هذا قبل وجود الطيران)، ومعه أحد مريديه فوجد الجنازة قد وضعت والشيخ المرغني سيصلي عليه، قال: فوقفت بينه وبين الجنازة، فقلت: لما قبضت روح الرجل؟ فقال: المُلك ملكي أفعل فيه ما أشاء. فقال له: أليس لك شريك في الملك؟! فقال المرغني: ليس لي شريك في الملك!
قال الشهاوي: فتوجهت إلى قبر السيد البدوي ليأتي ليدرك الرجل قبل أن يصلى عليه ويدفن، فإذا نحن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيناه رعبنا جميعًا، فرد روح الرجل فقام يمشي كالمجنون ثم إن الرجل اشتكى لشيخه الشهاوي: أنه كلما طلب باب رزق لم يجد فيه رزقًا، وقال الشهاوي له: إن الشيخ المرغني حين قبض روحك شطب رزقك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين رد روحك لم يرد عليك رزقك؛ فلا رزق لك في الأرض إلا في أرزاق الناس!". نعوذ بالله من الضلال!
