شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (1-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي بمرحلتين تاريخيتين متناقضتين: الأولى: غلب فيها مذهب أهل السُّنة على إيران مدة تسعة قرون متتالية، واصطبغت بالمذهب السني فيها أوجه الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية، ثم تلتها مرحلة ثانية غلب فيها مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فاصطبغت به أوجه الحياة في إيران، وهي المرحلة التي امتدت حتى اليوم.

الفتح الإسلامي لإيران:

كانت إيران عند ظهور الإسلام تحت حكم الساسانيين، وكان شعبها مقسَّمًا إلى طبقات تتفاوت فيما بينها في القدر والشرف، ويسودها نظام إقطاعي متسلط، ويؤدي أفراد الشعب ضريبة سنوية، ويحكمها حكمًا مطلقًا مستبدًّا ملك يدين بالمجوسية التي هي الدين الرسمي للبلاد. والمجوسية دين وثني يؤمن بوجود إلهين: إله للخير، وإله للشر، ولرجال الدين فيه قداسة تميزهم.

وكانت دولة الفرس تلك في إيران تمثل قوة الشرق العظمى في مقابل دولة الروم التي تدين بالنصرانية وتمثل قوة الغرب العظمى. وكانت بين هاتين القوتين العظميين صراعات وحروب. وقد بسطت دولة الفرس نفوذها على إقليم (الحيرة) الذي يعد جزءًا من شبه الجزيرة العربية، وتوجد فيه (دولة المناذرة)، التي يدين حكامها من العرب بالطاعة والولاء لملك فارس، فيؤدون له ضريبة سنوية، ويتولون حراسة قوافل التجارة الفارسية.

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد فارس (إيران) في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- (11- 13 هـ)، ووصل الفتح إلى مرحلة حاسمة في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (13- 23 هـ)، ثم كانت السيطرة التامة على بلاد فارس كلها (إيران) في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (23- 35 هـ). وسرعان ما أقبل أهل إيران على الدخول في دين الإسلام أفواجًا طواعية واختيارًا، بعد أن لمسوا بأنفسهم ما في دين الإسلام من العدل والمساواة والرحمة والسماحة واليسر، وحسن بالفعل إسلامهم، وساهموا بعد دخولهم في دين الإسلام مع المسلمين العرب في نشر الإسلام في البلاد الواقعة بعد بلاد فارس.

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد فارس في أواخر خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- حين عرض (المثنى بن حارثة) -رضي الله عنه-، أحد رؤساء العرب من قبيلة بني شيبان، على أبي بكر -رضي الله عنه- سوء الأحوال في إيران، وكان المثنى قد استولى على جزء من أراضي الحدود الإيرانية يسمى (السواد)، فوقف على حقيقة الأحوال في فارس، مما شجعه على التوجه إلى أبي بكر -رضي الله عنه- ليستأذنه في السماح له بغزو إيران، فنال منه الموافقة على أن يتوجه هو وقبيلته للبدء في فتح بلاد فارس تحت إمرة خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- قد أرسل خالدًا لفتح (الحيرة)، ففتحها في عام 13 هـ.

استطاع المثنى -رضي الله عنه- وقبيلته فتح بعض الأراضي المجاورة لمنطقة (السواد)، ثم توفي أبو بكر -رضي الله عنه-، فخلفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. واستمرت محاولة الفتح لبلاد فارس بتوجه جيش يقوده (أبو عبيدة الثقفي) لمحاولة دخول فارس من الجنوب الغربي من (خوزستان)، التي تقع على الخليج العربي من جهة إيران، فالتقى مع جيش الفرس في موقعة (الجسر)، التي انتهت بهزيمة جيش المسلمين ومقتل قائده.

لم تفت هذه الهزيمة في عضد المجاهدين المسلمين، فعاودوا محاولة الفتح بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-؛ الذي التقى في عام 14 هـ مع جيش للفرس كثير العدد والعتاد في موقعة القادسية، فأنزل المسلمون بالفرس هزيمة نكراء، ثم واصلوا تقدمهم نحو (المدائن) عاصمة الساسانيين، فدخلوها وسيطروا عليها. بينما فر (يزدجرد الثالث)، آخر ملوك الساسانيين، إلى داخل أراضي فارس، متوجهًا إلى مدينة (أصفهان) بعد تشتت جنود جيشه.

شجع الانتصار العظيم في موقعة القادسية والاستيلاء على (المدائن) عاصمة الساسانيين المسلمين على التقدم داخل أراضي فارس، فتمكنوا من فتح الجزء الجنوبي من إيران، بينما تقهقر (يزدجرد الثالث) إلى وسط إيران، وأخذ من هناك يجمع الجند في محاولة لاسترداد ما أخذ منه، فأرسل جيشًا لإيقاف تقدم المسلمين، فكانت معركة (جلولاء) في عام 18 هـ، والتي انتهت باندحار جيش الفرس وتقهقره.

واصل جيش المسلمين تقدمه بالتوجه صوب (أصفهان)، فحشد يزدجرد الثالث جيشًا جرارًا كثير العدد والعتاد عند (نهاوند)، وهي منطقة حصينة محاطة بالجبال العالية والمسالك الوعرة قرب أصفهان. ولما بلغ جيش المسلمين نهاوند دارت بين الطرفين معركة عنيفة في عام 21 هـ انتصر فيها المسلمون انتصارًا مبينًا، فكانت موقعة نهاوند (فتح الفتوح)، ومني جيش الفرس بهزيمة مشينة وتمزق شمله، وفر (يزدجرد الثالث) مرة أخرى إلى الشمال الشرقي من بلاد فارس، ولم تقم للساسانيين بعدها قائمة، فلم تعد لهم قدرة على مقاومة المسلمين الفاتحين الذين لم يجدوا صعوبة بعدها في السيطرة على كل أرجاء إيران.

ونظرًا لاتساع رقعة أراضي بلاد فارس (إيران) وصعوبة تضاريسها، فقد استغرق استكمال سيطرة المسلمين على كامل الأراضي الإيرانية المختلفة نحو عشر سنوات بعد معركة نهاوند، رغم أنه لم تكن هناك مقاومة من جانب الفرس، وظل يزدجرد الثالث هائمًا على وجهه إلى أن قتل في عام 31 هـ، فكانت نهاية الدولة الساسانية.

وهكذا أشرقت وغطت شمس الإسلام كل ربوع بلاد فارس، فأقبل الإيرانيون على الدخول أفواجًا في دين الإسلام طواعية واختيارًا؛ إذ إن الإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه؛ لقول الله -تعالى-: ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 256) ، وصارت إيران منذ ذلك الوقت من بلاد المسلمين، حيث صبغ الإسلام كل مظاهر الحياة البشرية فيها بالصبغة الإسلامية، وساهم الإيرانيون الذين أسلموا مع إخوانهم المسلمين العرب في الفتوحات الإسلامية لنشر دين الإسلام في الآفاق، كما ساهموا كذلك بنصيب وافر في بناء صرح الحضارة الإسلامية في مختلف العلوم والفنون.

غلبة المذهب السني على إيران:

الصفحة التالية