شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (1-3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

عاشت إيران سنية المذهب في عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والدولة العباسية، من بعد عام 21 هـ حتى قيام الدولة الصفوية في إيران في عام 907 هـ، عندما أعلن الصفويون المذهب الشيعي الإمامي مذهبًا رسميًّا لإيران.

اتبع الإيرانيون مذهب أهل السنة منذ دخول الإسلام إيران، فمع اتجاه الفتح الإسلامي من غرب إيران إلى شرقها كان انتشار الإسلام بقوة ووضوح في غرب إيران، بينما قلت صبغته كلما اتجهنا شرقًا، فكانت منطقة خراسان وما وراء النهر أقل تأثرًا من غربها. وساعد على انتشار الإسلام في إيران هجرة قبائل عربية إلى الأراضي الإيرانية والإقامة فيها، واختلاط العرب بالإيرانيين بالمصاهرة، وظهور التأثير العربي في إيران. وكانت قبيلة المثنى بن حارثة -رضي الله عنه- من أوائل القبائل التي هاجرت إلى إيران، حيث استقرت من القرن الهجري الأول في المنطقة الجنوبية الشرقية من إيران، فسميت (عربستان)، أي: بلاد العرب، أو المنطقة التي يسكن فيها العرب، والتي ظلت معروفة بهذا الاسم إلى أن غيَّر الإيرانيون فيما بعد اسمها إلى (خوزستان).

أقبل الإيرانيون على دخول الإسلام وعلى تعلم اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وتغلغل النفوذ العربي في إيران بدرجة كبيرة، وضعفت الفارسية كلغة، وضعفت مظاهر الحضارة الفارسية كصبغة للحياة، وأصبح كثير من علماء اللغة العربية والتفسير والفقه إيرانيين من أصل فارسي. وقد تعاطف الإيرانيون مع آل البيت من نسل فاطمة وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-؛ إذ إن الحسين بن علي -رضي الله عنهما- تزوج ابنة يزدجرد الثالث، آخر ملوك الساسانيين، وأنجب منها علي زين العابدين بن الحسين -رحمه الله-. فكان مقتل الحسين -رضي الله عنه- في كربلاء في عهد يزيد بن معاوية يوم عاشوراء عام 61 هـ من أسباب تحامل الإيرانيين على الدولة الأموية، ومن أسباب انضمام إيرانيين إلى المختار الثقفي حين خرج في الكوفة في عام 65 هـ على الأمويين. كما ساهم الإيرانيون في انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، وكان لأبي مسلم الخراساني دوره المشهور في ذلك، فكان ذلك وراء تنامي نفوذ الإيرانيين في الدولة العباسية، فكان منهم من تولى منصب الوزارة في الدولة العباسية أكثر من نصف قرن، من عام 132 هـ حتى عام 187 هـ، أي: منذ عهد السفاح، أول خلفاء العباسيين، إلى عهد هارون الرشيد، خامس الخلفاء العباسيين، الذي قضى على نفوذ البرامكة الإيرانيين، لكن سرعان ما عاد للإيرانيين نفوذهم وتولي منصب الوزارة من جديد في عهد الخليفة المأمون بن الرشيد.

وخلال ازدياد النفوذ الإيراني في عهد العباسيين زاد امتزاج العرب والإيرانيين، وظهر جيل من المولدين، وظهرت في المجتمع الإسلامي صور من النفوذ الإيراني، بدت في امتزاج حضاري بين العرب والفرس في بوتقة الإسلام، من خلال ظهور الملابس الإيرانية في المجتمع، والاحتفال ببعض الأعياد الإيرانية القديمة. ودخلت كلمات ومصطلحات من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، كما دخلت كلمات من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية. ولكن ظلت الصبغة السنية هي الغالبة في إيران طوال عصر العباسيين من عام 132 هـ إلى عام 656 هـ.

في عهد الخليفة العباسي المهدي ظهرت حركة زندقة كان دعاتها من الإيرانيين، فترتب على قمع الدولة لها حرق الكتب الفارسية المتبقية من تراث إيران قبل الإسلام، مما زاد من ضعف اللغة الفارسية كلغة مستعملة في الدولة، إلا في المناطق النائية البعيدة عن مركز الخلافة.

مع كون إيران كانت تابعة تبعية كاملة للخليفة العباسي، ويغلب عليها النفوذ العربي، وتدين بمذهب أهل السنة، لكن هذا النفوذ بدأ يضعف نسبيًّا خلال القرن الثالث الهجري في القسم الشمالي الشرقي من إيران، الذي تحول إلى مركز شهد حركات تمرد تسعى إلى الانفصال والاستقلال عن الدولة العباسية، فظهرت عدة دويلات مستقلة منها:

الدولة الطاهرية:

في عام 205 هـ أراد الخليفة المأمون أن يكافئ قائد جيشه طاهر بن الحسين، وكان إيرانيًّا عاونه على الانتصار على أخيه الأمين وعلى تولي الخلافة، فأسند إليه أمر (خراسان)، فانتهز طاهر هذه الفرصة فاستقل بما تحت يده، وأسس دولة سماها (الدولة الطاهرية)، التي حكمها أبناؤه من بعده أكثر من خمسين عامًا، وذلك من عام 205 إلى عام 259 هـ، وكانت هذه الدولة هي بداية ظهور الدول ذات النزعة الاستقلالية عن الدولة العباسية.

الدولة الصفارية:

أسسها يعقوب بن الليث الصفاري، الذي عينته الدولة الطاهرية واليًا على خراسان، لكنه سرعان ما أسقط الدولة الطاهرية في عام 259 هـ، وأقام دولة جديدة سماها الدولة الصفارية، حكمها هو وأولاده من بعده حتى عام 293 هـ. وقد تمكن يعقوب بن الليث، بشخصيته القوية في خراسان، من بسط نفوذ الصفاريين على كرمان وأصفهان وفارس، حتى حاول أن يغزو دار الخلافة في بغداد نفسها، لكن باءت محاولته بالفشل، لكنه ظل قويًّا مسيطرًا على المناطق الإيرانية التي تحت يده. فلما توفي في عام 265 هـ خلفه في الحكم أخوه عمرو بن الليث الصفاري.

الدولة السامانية:

ينسب السامانيون إلى (بهرام جويين)، قائد الجيش في عهد الملك الفارسي خسرو برويز. وقد ظهر منهم (إسماعيل الساماني)، الذي أخذ يناوئ الصفاريين، فبدأ صراع بين المعسكرين الساماني والصفاري، انتهى بانتصار السامانيين في عام 279 هـ، وانتزاعهم السيطرة على شرق إيران من الصفاريين، وتأسيس دولة جديدة في شرق إيران ضمت خراسان وما وراء النهر عرفت باسم الدولة السامانية. حكمها مؤسسها إسماعيل الساماني وأبناؤه وأحفاده أكثر من قرن من الزمان، من عام 279 هـ حتى عام 389 هـ.

وقد ترتب على تولي السامانيين حكم أجزاء من إيران السنية ظهور بعض مظاهر الحضارة الفارسية القديمة في نظام الحكم، وترتيب الديوان، وتأليف الكتب في مختلف العلوم والفنون باللغة الفارسية، لكن كانت كتابتها بالحروف العربية، مع امتزاجها بكلمات ومصطلحات عربية كثيرة، فأصبح ثوبها وكثير من ملامحها عربيًّا، وما زالت على هذه الصورة حتى يومنا هذا، وتسمى الفارسية الإسلامية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية