شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (2- 3)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

اشتبك الطرفان في عام (920هـ - 1514م) في معركة (جالديران) في ديار بكر، في منطقة وسط بين إيران وتركيا، وانتهت المعركة بانتصار ساحق للعثمانيين، ترتب عليه تمزيق جيش الشاه إسماعيل الصفوي الذي هرب إلى تبريز عاصمة ملكه. واصل السلطان العثماني سليم الأول زحفه حتى دخل تبريز عاصمة الصفويين، وهرب إسماعيل الصفوي إلى وسط إيران. اكتفى العثمانيون بما حققوه، وآثروا الانسحاب من الأراضي الإيرانية، خاصةً مع انتشار مرض الملاريا في منطقة أذربيجان في فصل الخريف وإصابة جنود عثمانيين بهذا المرض، إلى جانب تعرضهم للبرودة الشديدة في فصل الشتاء. ولم يكن انتصار العثمانيين في (جالديران) حاسمًا، وتبعه سير العثمانيين على العراق ومصر وشمال إفريقيا، فأعادوا عصر الخلافة السنية وصاروا هم ممثليها، واكتفوا بمحاصرة الخطر الصفوي في العراق دون حسم أمره.

ظلت العداوة بين الصفويين والعثمانيين، إذ كان الصفويون الشيعة في نظر العثمانيين السنة خارجين على إجماع المسلمين، مما جعل هناك حروبًا متلاحقة بين الطرفين كانت فيها كفة العثمانيين هي الأرجح طوال القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).

لما تولى الشاه عباس الأول الصفوي حكم الدولة الصفوية انتهج سياسة التحالف مع الأجانب غير المسلمين في مواجهة العثمانيين، وقد ظل عباس الأول في حكم إيران من عام (996 هـ - 1587م) إلى عام (1038هـ - 1629م)، ولشدة عداوته للعثمانيين استعان بخبرة الإنجليز في تدريب الجيش الإيراني وتسليحه بإنشاء مصنع لإنتاج المدافع، مما مكنه من التصدي والصمود أمام العثمانيين، والانتقال من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم. وفي عهد عباس الصفوي غزا الأتراك الأوزبكيون السنيون إيران من الشرق وبسطوا سيطرتهم على إقليم خراسان وعلى هراة ومشهد، بينما غزا الأتراك العثمانيون في الوقت نفسه إقليم أذربيجان وسيطروا عليه.

فاضطر عباس الصفوي إلى عقد معاهدة صلح مع العثمانيين أقر لهم فيها بسيطرتهم على الأراضي التي سيطروا عليها، ثم استدار بعدها لقتال الأوزبكيين حتى أجلاهم عن خراسان والأراضي التي كانوا قد سيطروا عليها، ثم تفرغ بعدها لمحاربة العثمانيين، فنقض معاهدة الصلح المبرمة معهم، وتمكن من استرداد إقليم أذربيجان، ثم تقدم صوب الأراضي التركية واستطاع السيطرة على إقليمي أرمينية وجورجيا، وبذلك رجحت -ولأول مرة- كفة الصفويين الشيعة على العثمانيين السنيين بعد تفوق للعثمانيين دام قرنًا من الزمان.

تحالف عباس الصفوي مع الدول الأوروبية التي كانت قد دخلت عصر النهضة تحالفًا عسكريًّا في مواجهة الدولة العثمانية، فمنح الإنجليز امتيازات تجارية في منطقة الخليج مقابل تعهدهم بالوقوف إلى جانب الصفويين في قتالهم للعثمانيين؛ إذ تلاقت مصالح الأوروبيين مع مصالح الصفويين في إضعاف الدولة العثمانية القوية ومحاولة تحطيمها.

وللتودد إلى الأوروبيين منح عباس الصفوي امتيازات للسائحين الأوروبيين للإقامة والتنقل والتجارة بحرية في أصفهان عاصمة ملكه، مما ساعد على تواجد واستقرار نفوذ الأوروبيين الطامعين في المنطقة، وأثر بدوره في توجيه الأحداث السياسية والاقتصادية في المنطقة بعد ذلك، وظلت آثار ذلك ممتدة إلى ما بعد ضعف الدولة الصفوية وضعف الدولة العثمانية، مما سهل سقوط بلاد المسلمين في المنطقة فريسة بين مخالب الأوروبيين المستعمرين.

اهتم عباس الصفوي بالعمارة في عاصمته أصفهان، كما أبدى اهتمامًا كبيرًا بمزار (علي الرضا) الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية في مدينة (مشهد)، فزيَّنه بالنقوش وطلى قبته بالذهب الخالص، وطعم أبوابه ونوافذه وهيكل القبر بالجواهر الثمينة، فجعله من الآثار الجميلة المبهرة ليبهج الزائرين للمزار. ثم حج بنفسه إلى مشهد من عاصمة ملكه أصفهان سيرًا مئات الأميال على الأقدام، داعيًا الشيعة إلى الاقتداء به في الحج إلى مشهد وزيارة قبر الإمام علي الرضا، فصار كثير من الشيعة يكتفون بالحج إلى مشهد عن الحج إلى الكعبة وزيارة بيت الله الحرام.

وقد منح عباس الصفوي رجال الدين الشيعي وأئمته امتيازات كثيرة وميَّز طبقتهم، فصار لها نفوذ وجاه، ثم إنهم سعوا إلى إرضاء العوام واستمالتهم؛ فروجوا الكثير من الخرافات والأساطير لتدعيم معتقدات الشيعة في المسائل الدينية التي يخالفون فيها أهل السنة، ولجأوا إلى بث الأحاديث الموضوعة المنسوبة كذبًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأئمة البيت لترويج ذلك، مع التفاسير المضللة لآيات القرآن الكريم، مما أدى إلى انتشار البدع والأباطيل بين الشيعة هناك. وقد ظفر عباس الصفوي بحب عوام الشيعة فأطلقوا عليه لقب (الكبير)، فلا يُذكر في كتبهم حتى الآن إلا متبوعًا بهذا اللقب تقديرًا لأعماله وإعجابًا بشخصيته.

تعرضت الدولة الصفوية للضعف بعد وفاة عباس الصفوي، وانتقل زمام الأمور مع الوقت إلى كبار رجال الدين الشيعي. وبلغ ضعف وفساد الدولة الصفوية مداه في عهد الشاه (سلطان حسين الصفوي) الذي حكم من عام (1106هـ - 1694م) إلى عام (1135هـ - 1722م).

تقدمت قبائل أفغانية سنية وغزت الأراضي الإيرانية فاستولت على إقليم كرمان، ثم دخلت العاصمة أصفهان، وأجبرت الشاه (سلطان) على التنازل عن العرش لـ(محمود بن ميروس) قائد تلك القبائل الأفغانية. وقد أغرى ضعف الصفويين روسيا القيصرية النصرانية باحتلال بعض الأراضي الإيرانية، منها السواحل الغربية والجنوبية لبحر قزوين والسيطرة عليها، كما قام العثمانيون السنيون بالسيطرة على الأراضي الإيرانية الغربية.

الدولة الأفشارية:

استطاع رجل من طائفة الأفشار الشيعية يدعى (نادر قلي) بجيش من قبيلته الاستيلاء على إقليم خراسان، واستطاع في مدة وجيزة أن يصبح أقوى شخصية في إيران، حيث تمكن من إجلاء الأفغان والروس والعثمانيين عن الأراضي التي كانوا قد بسطوا نفوذهم عليها، وتمكن من توحيد إيران من جديد، وأعلن عن قيام دولة شيعية جديدة هي الدولة الأفشارية، وأعلن نفسه في عام 1148هـ ملكًا على إيران، واتخذ لقب الشاه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية