مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (2- 3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
استطاع نادر شاه أن يغزو بلاد الهند في عام (1149هـ - 1736م) حتى بلغ عاصمتها (دلهي)، وتوغل وهو في طريقه إلى الهند في قندهار وغزنة وكابل في أفغانستان. كما أنه مد نفوذه إلى بخارى وبلاد الأوزبكيين، وسعى لبناء أسطول إيراني في الخليج، وبسط سيطرته على البحرين في عام (1151هـ - 1738م)، وسار في عام (1156هـ - 1743م) إلى العراق فاستولى على الموصل ثم البصرة.
حاول نادر شاه أن يخفف من حدة الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة، فأمر بعدم سب الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- فوق المنابر، وفاوض العثمانيين في الاعتراف بالمذهب الشيعي الإمامي مذهبًا خامسًا معتبرًا يضاف إلى المذاهب الأربعة المعترف بها، وهو ما رفضه العثمانيون من جهة، وأثار عليه الإيرانيين المتعصبين من جهة أخرى، ولم تفده كل الانتصارات التي حققها شيئًا، وانتشرت الفتن في أنحاء إيران، وانتهى الأمر باغتيال نادر شاه في عام (1160هـ - 1747م)، وتوقفت دعوته لتخفيف حدة الاختلافات بين الشيعة والسنة.
سادت الفوضى إيران بعد مقتل نادر شاه، وكثرت الحروب الداخلية بين القبائل فيها، حتى تمكنت قبيلة الأفشار من السيطرة على أصفهان وشيراز وأكثر الأجزاء الجنوبية من إيران.
الدولة الزندية:
تمكن (كريم خان الزندي) من اتخاذ مدينة شيراز عاصمة له، وأعلن عن قيام الدولة الزندية، حيث اهتم بالعمارة فأنشأ كثيرًا من القصور والمساجد التي لا تزال قائمة إلى الآن شاهدة على رقي الحضارة الإيرانية في ظل الدولة الزندية.
الدولة القاجارية:
تمكنت طائفة القاجار من أن تسيطر على إقليم مازندران بعد مصرع نادر شاه، وحاولت الوصول إلى المناطق الجنوبية من إيران، لكن (كريم خان الزندي) تصدى لهم ومنعهم من ذلك. فلما توفي كريم خان استطاع القاجار بقيادة زعيمهم (آقا محمد) أن يبسطوا نفوذهم على وسط إيران، حيث استولوا على طهران واتخذوها عاصمة لدولتهم، الدولة القاجارية، فكان (آقا محمد) أول ملوكها، وقد استطاعت الدولة القاجارية بعد قيامها أن تسقط الدولة الزندية، وأن تبسط سيطرتها على سائر الأراضي الإيرانية. وقد ظلت تلك الدولة تحكم إيران إلى أن أسقطها رضا بهلوي في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي، وإن ظلت طهران من وقتها إلى الآن عاصمة إيران.
وقد شهد عصر الدولة القاجارية تزايد النفوذ الغربي في إيران، خاصةً بعد مقتل آقا محمد مؤسس الدولة القاجارية في عام (1212هـ - 1797م) وتولي ابن أخيه (فتح علي شاه)، حيث تنافست إنجلترا وفرنسا وكذلك روسيا القيصرية على الظفر بمزيد من مناطق النفوذ في إيران.
استمر حكم فتح علي شاه إلى عام (1250هـ - 1834م)، وخلال حكمه بسطت روسيا سيطرتها على الأجزاء الشمالية من إيران، وحاولت إنجلترا بسط نفوذها على الأجزاء الجنوبية، بينما وثقت فرنسا صلاتها بإيران حتى يسمح لها ملكها فتح علي شاه بالعبور من الأراضي الإيرانية لضرب مصالح إنجلترا في شبه القارة الهندية.
وفي ظل مواجهة إيران لأطماع قوى أجنبية أكبر من قوتها فقد اضطربت سياستها وتناقضت، فقد عقد فتح علي شاه تحالفًا مع فرنسا في عام 1222هـ تقبل فيه إيران السماح للجيش الفرنسي بالمرور عبر أراضيها لغزو الهند، في مقابل تعهد فرنسا بإمداد إيران بالأسلحة الحديثة وتدريب جيشها على استعمالها للوقوف في وجه الزحف الروسي على أجزاء إيران الشمالية، ولكن فتح علي لم يلبث أن رضخ لطلب إنجلترا لضعفه وخوفه منها بإبرام معاهدة مع إنجلترا وافق فيها على عدم السماح للجيش الفرنسي باستعمال الأراضي الإيرانية، مقابل قيام إنجلترا بتدريب وتسليح الجيش الإيراني لمواجهة روسيا. فزادت تلك المعاهدة من نفوذ إنجلترا في إيران، ودفعت فرنسا إلى التخلي عن مساعدة إيران.
وتتابعت الحروب بين إيران وروسيا القيصرية، وكانت كفة روسيا هي الراجحة، ولم تؤد معاهدة إيران مع إنجلترا إلى تقوية إيران في وجه الغزو الروسي للأراضي الإيرانية أو التقليل من خطره:
ففي عام (1229هـ - 1813م) وبعد حرب بين إيران وروسيا عقدت معاهدة (كلستان) اعترفت فيها إيران بحق روسيا في امتلاك إقليم جورجيا.
وفي عام (1242هـ - 1826م) وبعد حرب بين إيران وروسيا عقدت بينهما معاهدة (تركمان جاي) تنازلت بمقتضاها إيران لروسيا عن إقليمي (أريوان) و(نخجوان)، مع إعطاء روسيا حق الملاحة والرقابة الحربية على بحر قزوين، ومنح روسيا امتيازات كثيرة اقتصادية وجمركية وتجارية، مع حرية التنقل للتجار الروس في الأراضي الإيرانية، مما جعل لروسيا القيصرية نفوذًا يفوق غيرها من الدول الأجنبية الأخرى.
ازداد الأمر سوءًا واضطرابًا مع حكم من خلفوا فتح علي شاه، وعظم النفوذ الأجنبي في إيران خاصةً النفوذ الروسي.
في عام 1907م اتفقت إنجلترا وروسيا على تقسيم إيران إلى منطقتي نفوذ، يكون القسم الشمالي من إيران تحت النفوذ الروسي ويمتد هذا القسم إلى طهران وأصفهان، وينحصر القسم الخاضع للنفوذ الإنجليزي الأصغر مساحةً في الركن الجنوبي الشرقي من إيران وبخاصة منطقة الخليج العربي، وجعل المنطقة بين القسمين منطقة محايدة.
عند قيام الحرب العالمية الأولى أعلنت إيران حيادها. وبعد انتهاء الحرب قبلت إيران معاهدة مع إنجلترا في عام 1920م تنص على احترام استقلال إيران لكن تجعلها تحت سيطرة إنجلترا، ومع اعتراض أمريكا على المعاهدة وثورة الشعب الإيراني عليها اضطر أحمد شاه بن محمد للتراجع ورفض المعاهدة. وفي عام 1921م أبرمت روسيا السوفيتية معاهدة صداقة مع إيران تساهل فيها الجانب الروسي بإسقاط الديون والتنازل عن الامتيازات الأجنبية.
الدولة البهلوية:
