مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (2- 3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان نفوذ الدول التي استقلت عن الدولة العباسية في مرحلة ضعفها بعد منتصف القرن الثالث الهجري في إيران وغيرها يتفاوت بتفاوت قوة حكامها، لكنهم كانوا يدينون من الناحية الشكلية للخليفة العباسي في بغداد باعتباره إمام المسلمين، وبالتالي فموافقته على إقامة دولتهم تعطيهم صفة شرعية أمام الناس، لذا كانوا حريصين على الظفر بموافقة الخليفة العباسي على ضعفه، وعلى كونهم مستقلين استقلالًا يكاد يكون تامًّا في إدارة الدول التي يحكمونها.
دولة المغول:
المغول من القبائل التركية البدوية الوثنية التي كانت مقيمة في وسط آسيا، فلما تولى (جنكيزخان) قيادتهم في أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وحَّد صفوفهم وتحرك بجيش كبير فاستولى على الصين، وبلغ في عام (596 هـ - 1199م) حدود الدولة الخوارزمية التي أسقطت دولة السلاجقة من قبل، فاجتاحها واستولى على بخارى وسمرقند وبلخ ومرو ونيسابور.
وبعد وفاة جنكيزخان في عام (625 هـ - 1228م) قاد خليفته (جرماغون) المغول فتقدم بهم في الأراضي الإيرانية، حيث استطاع الوصول إلى شمال غرب إيران والعراق ليهدد مقر الخلافة في بغداد. وفي عام (656 هـ - 1258م) تمكن القائد المغولي (هولاكو) الذي قاد المغول بعد جرماغون من اكتساح وتخريب بغداد، وقام بقتل (المستعصم بالله) آخر الخلفاء العباسيين. ثم حاول هولاكو بسط سيطرته على بلاد الشام ومصر، لكنه هزم هزيمة نكراء أمام المصريين في موقعة (عين جالوت) في عام (658 هـ - 1260م)، وهي الهزيمة التي كبحت جماح المغول، فارتدوا إلى الشمال الغربي من إيران. ومع استقرار المغول في إيران اتخذوا مدينة (السلطانية) عاصمة لدولتهم، واتخذ هولاكو لقب (إيلخان)، لذا سميت دولة المغول باسم دولة (الإيلخانيين).
ورغم وثنية المغول فقد ظلت الصبغة الإسلامية السنية هي السائدة في إيران حتى بعد سقوط الخلافة العباسية، بل إنَّ قوة الحضارة الإسلامية المستقرة في إيران لم تلبث أن أثرت في المغول فغيرت بعضًا مما كانوا عليه في عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم الدينية. وبعد استقرار المغول في إيران استخدموا الإيرانيين في الوظائف والمناصب الإدارية المختلفة.
في عام (680 هـ - 1281م) اعتنق (تكودار) قائد المغول الإسلام، وسمى نفسه أحمد، فأصبح حكام المغول من رعاة الحضارة الإسلامية السنية، ونشطت العلوم والفنون وكثر الإنتاج الأدبي. وسرعان ما تحول المغول إلى دين الإسلام، وتركوا وثنيتهم وصاروا من حماة الإسلام.
الدولة التيمورية:
خلف التيموريون المغول في السيطرة على إيران، وهم من الأتراك المسلمين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، بقيادة قائدهم (تيمور)، حيث تمكنوا من الاستيلاء على جميع أجزاء إيران، كما سيطروا على جزء من التركستان وجزء من الهند، وهاجموا العراق والشام وتمكنوا من الاستيلاء على حلب. وقد اتخذ تيمور (سمرقند) عاصمة لدولته. لكن فقدت الدولة التيمورية تماسكها بعد وفاة مؤسسها تيمور في عام 807 هـ ، وتنازع أبناؤه من بعده، فاستفادت قبائل تركية مقيمة في القسم الشمالي الغربي من إيران من هذا التفكك، فاقتطعت أجزاءً من ممتلكات الدولة التيمورية، منها أذربيجان والإقليم الغربي من إيران، بينما احتفظ أبناء تيمور بحكم الإقليم الشرقي من إيران حتى عام 911 هـ.
ورغم سقوط الدولة العباسية السنية فقد ظلت إيران مصطبغة بالصبغة السنية مدة قرنين ونصف قرن قبل ظهور الدولة الصفوية الشيعية.
الدولة الصفوية الشيعية:
اعتنقت بعض القبائل التركية الموجودة في منطقة أذربيجان بعد سقوط الخلافة العباسية مذهب الشيعة الإمامية، وجنحت إلى التصوف فاتبعت فرقة صوفية تسمى (الفرقة الصفوية) نسبة إلى مؤسسها (صفي الدين الأردبيلي) الذي عاش في المدة من 650هـ إلى 735هـ، والذي استطاع أحد أحفاده، وهو (إسماعيل الصفوي) الذي ترأس هذه الفرقة، أن يستولي على مدينة (تبريز) عاصمة إقليم أذربيجان في (906هـ - 1500م)، ويعلن قيام دولة جديدة سميت بالدولة الصفوية نسبة إلى جده الأكبر صفي الدين، ثم أعلن في العام التالي (907هـ) أنَّ المذهب الشيعي الإمامي هو المذهب الرسمي للدولة، فكانت رسميًّا أول دولة شيعية إمامية في إيران.
اتخذ (إسماعيل الصفوي) الذي عاش من عام (892هـ إلى عام 930هـ) من (تبريز) عاصمة لدولته، واتخذ لقب الشاه -أي: الملك- لقبًا له؛ فأخذت الصبغة الشيعية من ذلك الوقت تنتشر في سائر إيران، وصارت هي الغالبة على مظاهر الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والأدبية إلى يومنا هذا، حيث تمكن إسماعيل الصفوي خلال اثني عشر عامًا من السيطرة على سائر أنحاء إيران، واستتب له الأمر فيها، فأخذ ينشر فيها مذهبه الشيعي الذي يتعصب له، بالضغط والإكراه تارةً، وبمحاولات الإقناع والاستمالة تارةً أخرى، فغيَّر مذهب الإيرانيين من المذهب السني إلى المذهب الشيعي. تطلع الصفويون إلى غزو العراق للاستيلاء عليه لوجود أماكن مقدسة عند الشيعة في العراق.
لذا فسرعان ما دخلت الدولة الصفوية في عداء وصراع مع الدولة العثمانية السنية التي كانت في عنفوانها بقيادة السلطان سليم الأول، إذ بسطت نفوذها على بلاد البلقان، وخضع لها اليونانيون والرومانيون والبلغار والصقالبة والألبانيون، وتوغلت جيوشها في وسط أوروبا. رأت الدولة العثمانية في فرض الدولة الصفوية لمذهب الشيعة الإمامية خطرًا يهددهم، فإلى جانب الخلافات المذهبية بين الفريقين فإنَّ الدولة الصفوية صارت تمثل حاجزًا يفصل بين أهل السنة في وسط آسيا وأفغانستان والهند وبين أهل السنة في العراق وتركيا ومصر، فعاد العثمانيون بأبصارهم إلى آسيا بعد أن كانوا يتطلعون إلى وسط أوروبا.
