مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (3-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان لقيام الدولة الصفوية الشيعية الإمامية أوائل القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) أثره الواضح في صبغ أوجه الحياة المختلفة في إيران بالصبغة الشيعية، بل وصبغ علاقات إيران الخارجية بالصبغة الشيعية أيضًا، وامتداد ذلك عبر التاريخ حتى عصرنا الحاضر.
ومن تلك التأثيرات:
أثر التشيع على معتقدات الإيرانيين الدينية:
تبدلت -وبشدة- عقائد الإيرانيين بعد التحول من عقائد أهل السنة إلى اعتناق عقائد مذهب الشيعة الاثني عشرية؛ إذ أصبح الإيرانيون من بعد قيام الدولة الصفوية يعتقدون أنَّ الخلافة الإسلامية بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت يجب أن تؤول إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- دون منازع، وعليه فخلافة أبي بكر الصديق ثم خلافة عمر بن الخطاب ثم خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنهم جميعًا- خلافة باطلة.
وأباح شيعة إيران بمقتضى ذلك لأنفسهم سب ولعن هؤلاء الخلفاء الراشدين من فوق المنابر، واتهامهم باغتصاب الخلافة من علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأولاده من بعده. وتمادوا في ذلك باتهام خلفاء بني أمية والخلفاء العباسيين باغتصاب الخلافة أيضًا كالخلفاء الراشدين.
ويعتقد الشيعة الإمامية أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأولاده جميعًا، ينص المتقدم منهم على من بعده، ومن ينكر ذلك أو لا يعتقده فهو على ضلال مبين وإثم كبير يعرضه للخسران التام يوم القيامة.
وهؤلاء الأئمة -عندهم- على الترتيب هم: علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (الملقب بالمرتضى)، ثم الحسن -رضي الله عنه- (الملقب بالزكي)، ثم الحسين -رضي الله عنه- (الملقب بسيد الشهداء)، ثم تسعة أئمة بعدهم كلهم من نسل الحسين بن علي -رضي الله عنهما-، لا أحد منهم من نسل الحسن بن علي -رضي الله عنهما-.
ويلاحظ هنا: قصرهم هؤلاء الأئمة التسعة كلهم في نسل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- دون نسل أخيه الأكبر الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، ومعلوم أنَّ الحسين -رضي الله عنه- قد تزوج ابنة ملك الفرس (يزدجرد الثالث)، ومنها أنجب ابنه علي زين العابدين بن الحسين ، وكانت له الإمامة ثم لذريته من بعده دون أولاد الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، إذ عند هؤلاء الشيعة قد اختلطت ذرية الحسين هذه بدماء ابنة يزدجرد الفارسية.
وهؤلاء الأئمة التسعة وَفْق ترتيبهم الزمني هم كالآتي: علي بن الحسين (الملقب بزين العابدين)، ثم أبو جعفر محمد بن علي (الملقب بالباقر)، ثم جعفر بن محمد (الملقب بالصادق)، ثم موسى بن جعفر (الملقب بالكاظم)، ثم علي بن موسى (الملقب بالرضا)، ثم محمد بن علي بن موسى (الملقب بالجواد)، ثم علي بن محمد (الملقب بالهادي)، ثم الحسن بن علي بن محمد (الملقب بالعسكري)، ثم محمد بن الحسن العسكري (الملقب بالمهدي وبالقائم)، الذي اختفى وغاب بدخوله في سرداب بسامراء عام 260 هجريًّا بعد وفاة أبيه، وكان عمره نحو خمس سنين، وهو ما زال عندهم من وقتها حيًّا مختفيًا لم يمت خلال كل هذه القرون التي مضت، والشيعة ينتظرون خروجه وعودته من غيبته، وإذا ذكروه أو كتبوا عنه قالوا: (عجل الله فرجه!).
وعنه يقول الخميني: "وقد مرَّ على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر!" (كتاب: الحكومة الإسلامية، للخميني: ص 26) .
- والأئمة عند الشيعة الإمامية يحيطون بالعلم كله، وهم معصومون، وطاعتهم واجبة كطاعة الرسل!
- ووفقًا لنظرية ولاية الفقيه عند الخميني؛ فإنَّ المرشد الأعلى من كبار رجال الدين الشيعي يعد نائبًا عن هذا الإمام الغائب لحين ظهوره.
- يبالغ الإيرانيون في إظهار الحزن الشديد والنحيب والبكاء في ذكرى مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنه- في يوم عاشوراء، ويعدون هذه المبالغة واجبًا دينيًّا يقوم به الحكام والمحكومون على السواء.
- يكفِّر الشيعة الإمامية صحابة النبي -رضي الله عنهم- لمخالفتهم -في زعمهم- نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على إمامة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للأمة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي يردون أحاديث الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقبلون إلا روايات رجالهم من الشيعة عن أئمتهم المعصومين دون غيرهم.
- يرفع الإيرانيون رجال الدين الشيعي إلى منزلة كبيرة تجعلهم طبقة مميزة فيهم، وهم يوجبون على كل شيعي أن يقدم خمس مكسبه للمرجع الشيعي الذي يتبعه ويقلده، وهذه البدعة لا تجدها إلا في الكتب الفقهية الشيعية، وقد استفادت المراجع والزعامات الشيعية الدينية من هذه الأخماس، وأصبح لأكثرهم ميزانيات ضخمة تجعل لهم كيانات مالية مستقلة إلى جانب مكاناتهم الدينية.
- وقد أدَّى هذا التميز لرجال الدين الشيعة وحصولهم على هذه الأموال إلى تقوية نفوذهم داخل الدولة، وهيأهم للتدخل في أمور الدولة السياسية وغير السياسية، وزاد الأمر سوءًا في عصرنا الحاضر نجاح الخميني في السيطرة على مقاليد الأمور في إيران بعد سقوط شاه إيران؛ إذ صار للمرشد الأعلى سلطة روحية عليا فوق كل السلطات بوصفه عندهم نائبًا عن الإمام الغائب لحين ظهوره، طبقًا لنظرية ولاية الفقيه التي روَّج لها الخميني بين أتباعه فتبنوها.
وقد أغرى هذا التميز لطبقة رجال الدين بكثرة المتاجرين والمتمسحين بالدين، وبمجاراة رجال الدين هؤلاء للبدع والخرافات التي انتشرت في المجتمع الإيراني بلا انتقاد أو نكير؛ إرضاءً لأهوائهم حتى صارت عند الجميع من المسلَّمات.
