شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأعمال الفنية والخطوط الحمراء

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

- ماذا لو كتب كاتب مقالة -وهي عمل أدبي- يتحدث عن دور الفن في إفساد المجتمع؟ وهو أمر ينطبق على النسبة الأكبر من أفلام البلطجة والمخدرات، سواء انتصر البطل المتعاطي للمخدرات في النهاية أم تاب أم سقط في أيدي الشرطة، فالذي يعلق في ذهن الشاب المراهق هو ما تصوِّره له الكاميرا من لحظات النشوة، والشعور بالقوة والسيطرة على مدار 90% من وقت العمل الفني.

أو الأفلام التي تُصوَّر نصف مشاهدها في المراقص والخمارات، والنصف الثاني في بيوت، والتي -للأسف- يحتل فيها "البار" موقعًا بارزًا في مكان الاستقبال في تلك المنازل الفارهة، فيصدق عليهم قول شاعر الفسوق: (وداوِني بالتي كانت هي الداء!)؛ فالأبطال لا يضعون الكأس من أيديهم في البيت كانوا أو في الخمارة! ومِن ثَمَّ يعلق بذهن المشاهد الارتباط بين الرفاهية وبين الخمور.

وأما الارتباط بين النضج وبين شرب السجائر فآفة غرستها أعمال سينمائية قديمة، ولم تقتلع من المجتمع حتى الآن، ويقع فيها الشاب ويكذب على والديه ويتمرد عليهما من أجل شرب السجائر في بداية شبابه، وبعد أن يصبح أبًا وهو أسير سيجارته ينصح ابنه ألا يكرر تجربته، ولكنها تتكرر في كل جيل وفي معظم الأسر إلا مَن رحم ربي، وبذات السيناريو تقريبًا.

والفنانون لا يتعاملون مع هذه الكتب والمقالات من مدخل: هل هي تفي بالمواصفات الفنية للمقالة، وأن لها مقدمة وجسمًا وخاتمة، إلخ… أم لا؟ بل إنهم يشتبكون مع الرسالة التي تقدمها تلك الأعمال -وهي أعمال أدبية وفنية- ويعتبرونها تطرفًا، بل ربما عدوها إرهابًا!

- عندما يخرج عمل فني يسيء إلى مهنة لها نقابة مهنية قوية، تخرج هذه النقابة لتحاسب مضمون العمل وتحتج عليه، ولا يجرؤ أحد حينها أن يقول لهم: "ناقشوا فنيات العمل فقط"!

- هناك فنانون مخضرمون أدركوا المَلَكِيَّة فقدَّموا أعمالًا مجَّدَت الملكية، ثم أدركوا ثورة يوليو فقدموا أعمالًا مجدتها، وقدَّموا أعمالًا انتقدوا فيها الملكية على خلاف أعمالهم القديمة! ولا أظنهم كانوا يجرؤون في أي مرحلة على السخرية أو الإسقاط على كبار ساسة العصر الذي يعيشونه، ولو فرض أن أحدهم قام بذلك فحوكم؛ فغالبًا ما يحاكم وحيدًا لا يتضامن معه أحد، ولو تضامن معه متضامن فإنه يتضامن من باب مناشدة السلطات أنها غلطة ولن تتكرر!

- إبراهيم عيسى صاحب فيلم "الملحد" والذي قدَّم فيه الملحد في صورة الباحث عن الحقيقة، وقدم المتدينين في صورة المقلِّد الذي لا يدري ماذا يعتقد. وقد دافع عن الفيلم هو وكثير من الفنانين بدعوى حرية الإبداع، وهو نفسه يرى أن انتقاد عبادة البَقَر شيء غير أخلاقي، وأبدى أسفه بشدة من السخرية من عبادة البقر في بعض الأعمال! (أي: إن إبراهيم عيسى وضع قيودًا على العمل الفني في انتقاد الوثنية، بينما لا يضع هذا القيد في شأن دين الله -عز وجل-! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!).

- في حدود علمي فإن صُنَّاع الفنون في بلادنا ما زالوا يرون أن الأعمال الإباحية المحضة جريمة لا يمكنهم أن يشاركوا فيها؛ لما فيها من عدوان على الدِّين والخلق، ولما فيها من إفساد الشباب، حتى لو كانت مكتوبة بحرفية ومصورة بأحدث الكاميرات، وتم إخراجها من قِبَل أكثر المخرجين احترافية -أعني حتى لو كانت من الناحية الفنية في أعلى درجات الجودة-.

ووجود مثال واحد -مثل هذا- اعتبرت فيه ضوابط أخرى لمنعه غير المعايير الفنية المجردة؛ يسقط دعواهم بألا يحاكم الفن إلا لقواعد فنية محضة، إذًا فثمة خطوط حمراء سياسية واجتماعية وأخلاقية -حتى لو كانت لا تقوى إلا على رفض الإباحية المطلقة-.

وعلى فرض أنهم كسروا كل التابوهات، ولبسوا ثوب المعارضين الأشاوس سياسيًّا، ولم يخافوا من النقابات المهنية، ولا من الهيئات الكبرى؛ فهذا لا يسمح لهم البتة في السخرية من الدِّين وشعائره.

فيلم "برشامة":

بالطبع نحن لا نتابع الأفلام والمسلسلات، ولكن عندما يبالغ صُنَّاع عمل ما في الخروج على الثوابت تتحرك نخوة بعض مَن يشاهد هذا العمل للكتابة عنه، وهي أمور صار التثبُّت منها ميسورًا في ظل أن المشاهد الأكثر تأثيرًا في الأعمال الفنية غالبًا ما تنتشر في مقاطع قصيرة.

والفيلم المذكور مستوحى بشكل كبير من "مدرسة المشاغبين"، وبالمناسبة: فإن الفنان "أحمد ماهر" كان له تصريح أن "مدرسة المشاغبين" أفسدت جيلًا بأكمله؛ فهذه شهادته رغم انتمائه لهذا الوسط! فما بالك كيف ستكون شهادة خبراء التربية والدُّعَاة والمصلحين؟!

و"مدرسة المشاغبين" تدور داخل فصل دراسي كل طلبته مشاغبون، عدا واحد مغلوب على أمره، وتحاول مُدرّسة الفلسفة أن تصلح حالهم، وتنتهي المسرحية أن الطلبة انصلح حالهم، وهذا المشهد الأخير العابر لا يعلق منه في ذهن المشاهد شيء بعد ما تشرَّب طوال العمل كيف يهين زميله، وكيف يسخر من معلِّمه، بل ومن ناظر مدرسته -وحال المدارس منذ ظهرت هذه المسرحية خير شاهد-.

وأما صانعو العمل الجديد فقد قرَّروا أن يكون الفصل لجنة امتحان منازل، ويلعب الأبطال أدوارًا مختلفة، تشترك في أنهم طلاب دخلوا لجنة الامتحان، وهم لا يعرفون عن المنهج شيئًا، وبالتالي فحتى محاولات الغش تبدو مضحكة، وهو المطلوب إثباته.

وكان من الممكن أن يختار الكاتب أن يكون الامتحان في "الفلسفة" -مثل أصله مدرسة المشاغبين-، أو أي مادة، ولكن شيطان كاتب هذا الفيلم تفوَّق على شيطان مؤلف مدرسة المشاغبين؛ فاختار أن يكون الامتحان في "مادة الدِّين".

(الورقة الامتحانية التي ظهرت في الفيلم مكتوب أعلاها: "امتحان اللغة العربية"، ولكن مؤلف الفيلم اختار أن يكون سؤال البلاغة يدور حول آيات من القرآن، وسؤال النصوص يدور حول حديث من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكل ما ورد من محاولات غشٍّ كان في السؤال الأول المتعلق بتفسير الآيات).

وهنا ندرك أن المؤلف والمخرج والأبطال بهذا الاختيار كان لديهم هدف محدد؛ وهو صنع إفيهات تتعلق بالدين -لا سيما وأنه واقعيًّا لا يحدث غش في لجان الدِّين؛ لكونه خارج المجموع!-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية