شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأعمال الفنية والخطوط الحمراء

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ثم كمزيدٍ من التوظيف الكوميدي للدين، فقد اختار المؤلف أن يكون الطالب الوحيد المتفوق محصلًا لمنهج الدين بالطبع، بل ويطبِّق الدين في حياته، فيرفض الغش، ويأخذ موقفًا من إحدى طالبات المنازل في اللجنة؛ لأنها راقصة، وينزعج حينما يجدهم يشربون الحشيش في اللجنة.

والعجيب: أن الناقد الفني "طارق الشناوي" صرَّح بأن رسالة الفيلم هي إبراز أن تشدد البطل شيء منافٍ للدين!

ولا يوجد موقف نسب فيه للبطل تشدد إلا إصراره على الاغتسال لكونه أصابه بول طفل (وهذا يبدو من جهل صُنَّاع الفيلم بالشرع، وأن تطهير النجاسة لا يلزم فيه اغتسال ولا خلع للملابس، بل يمكن تطهيرها على حالها طالما أن النجاسة معلومة الموضع).

ولكن يبدو أن صُنَّاع الفيلم يرون أن الإنكار على من يغش وعلى من يشرب الحشيش في لجنة الامتحان تشدد!

وكمزيدٍ من الحرص على توليد مواقف كوميدية مبنية على أمور دينية؛ ظهرت شخصية العمدة وابنه الذي يمتحن في تلك اللجنة. وتفتق ذهن العمدة -أقصد المؤلف الذي كتب شخصية العمدة- أن يذهب إلى المسجد لكي يحل الامتحان في الميكروفون على أنه درس ديني.

وكمزيد من الكوميديا -على حساب شعائر الله- فقد صوَّر لنا كاتب الفيلم أن العمدة دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فأجبر الإمام على عدم الصلاة، وعلى إفساح المجال له لكي يعطي درسًا دينيًّا، وهو يريد أن يجيب عن أسئلة الامتحان في الميكروفون ليسمعها ابنه ومن معه في اللجنة.

وعلى مدار الفيلم، والحوار بين البطل المتدين -والذي هو متطرف في نظر طارق الشناوي- وبين باقي الأبطال الذين يغشون بلا أي وخز ضمير، ويشربون الحشيش بأريحية تامة، بل ويجبرون فتاة ساذجة على تعاطي الحشيش رغمًا عنها لكي تنتشي ويسهل عليهم توجيهها إلى أن تغششهم. ولاحظ خطورة تلقين تلك الحيل الإجرامية، والتي يمكن أن يكون تنفيذها في متناول أي مراهق سيشاهد العمل.

وعندما يرغبهم الطالب المتدين في الجنة فإنهم يسخرون منها بعبارات ضاحكة، بينما ترتسم على وجهه علامات الذهول في رد فعل مضحك -هكذا كُتب السيناريو؛ لأن المؤلف يريد الإضحاك، ولو أراد التقويم لأجرى على لسان البطل حججًا ملجمة بثبات وثقة توقف هؤلاء العابثين عند حدهم، ولكن ليس هذا هو غرض المؤلف- ويخوفهم الطالب المتدين بالنار، فيتفننون في السخرية وهو مستمر على ردود فعله البلهاء، فمن لم يضحك من سخريتهم يضحك من بلاهته! ويقول لهم: "الغش حرام كما قال ابن حنبل"، فيقول له الآخر: "ولكنه حلال في مذهب ابن عمي".

وأما النهاية: فقد كانت ظلمات بعضها فوق بعض؛ فقد صوروا لنا الطالبة التي حضرت اللجنة رغمًا عن أخيها -الذي كان يريد منعها من الامتحان بناءً على رغبة خطيبها-؛ تلك الطالبة التي أرغموها على شرب الحشيش، إلا أنه في النهاية تعاطفت "لجنة الأشقياء" معها خوفًا من عقوبة أخيها وقاموا بتزويجها من أحدهم وعقدوا عليها، وخرجت لأخيها وفي يدها زوجها!

وهذا تحريض آخر للفتيات على الهروب من الأهل والزواج رغمًا عنهم، وهذه الصورة ليست فقط أنها (زواج بدون ولي)، بل زواج بولاية راقصة ومدمني حشيش.

واعتبار أن هذه الصورة الكارثية هي الحل السحري لعضل الولي! كارثة كبرى.

والعجيب: أن كاتب العمل قد تعاطف جدًّا مع صورة الزواج المبتذلة التي قدَّمها؛ فصوَّر لنا الأخ الذي كان يريد قتلها لأنها ذهبت الامتحان رغمًا عنه في صورة العاجز المستسلم هو وخطيبها، حينما خرجت ومعها من ادعته زوجًا لها.

وكمزيدٍ من الواقعية: فقد قام أحد طلاب المنازل وهو سجين جاء للامتحان، وهو من أجبر الفتاة على شرب الحشيش، ليهدد أخاها أن يرضى بالزواج وإلا فسوف ينتقم هو منه!

وحتى لا تختلط الأمور نؤكد أن الشرع -ومن ثمَّ محاكم الأحوال الشخصية- قد كفلت للمرأة التي يُكرهِها وليها على من لا ترضاه أن ترفع أمرها للقاضي ليقضي بمنع الزواج إن لم يكن تم، أو فسخه إذا كان قد تم، وذلك عبر حكم قضائي محترم تقوم على تنفيذه الجهات التنفيذية للدولة إذا لزم الأمر.

وأما أن تفر الفتاة من ولاية أخيها -الذي يتصرف تجاهها بحب مع جهل- إلى ولاية من أجبرها قبل دقائق على شرب الحشيش واستعماله لتهديد أخيها، فهل هذا هو المجتمع الذي يريد صناع الفيلم بناءه؟

وأما الصدمة الكبرى فكانت في البطل الذي ظل طوال الفيلم يحارب باقي اللجنة لمنعهم من الغش منه ومن غيره، ويستنكر ما يفعله العمدة في المسجد، فقد انقلب فجأة؛ فهل غشش الجميع؟

لا، لقد اختار صانعو الفيلم أن هذا الرجل المتدين يخص الراقصة بتغشيشها.

بل ارتكب جريمة تزوير، فأعطاها ورقة إجابته بما فيها من إجابات صحيحة لتضع عليها بطاقة بياناتها، وأخذ ورقتها الخاوية على عروشها فوضع عليها بطاقة بياناته.

وهذا يعني عدة احتمالات: أن البطل المتدين ساعة لم الأوراق قد غيَّر موقفه من الغش، وشعر أنه كان يلزمه أن يكون (شهمًا) مع زملاء اللجنة.

ولأنه لا يوجد وقت لتغشيش الكل، فقد اختار الراقصة مبدِّيًا لها عن الجميع، بل عن نفسه، وسيبقى السؤال: لِمَ الراقصة بالذات؟ (تركها المؤلف لخيال المشاهد).

أو يكون الاحتمال أنه انحرف وقرَّر أن يتودد للراقصة.

وعلى أحسن تقدير: أنه تأثر بكلامها معه، أنها تريد الشهادة الدراسية لكي تعتزل الرقص -وسبحان الله! فإن فطرة صناع الفيلم تقول "الرقص حرام" أفلتت منهم هنا لتظهر في خضم كل هذا الخلل-.

وأيًّا ما كانت الدوافع التي تعمَّد صُنَّاع الفيلم أن يبقوها غامضة، وقد كان يسعهم بأي جملة حوارية أو تعبير عن حديث نفس أن يبرزوا دافعًا لهذا التغير المفاجئ لسلوك البطل. وفي النهاية: وجدنا أن البطل الذي كان يرفض الغش يقع في التزوير.

ولنا أن نتخيل لو أن طالبًا في ثانوية عامة مجتهدًا، ولكنه محدود الثقافة الدينية، لو شاهد هذا الفيلم ترى: هل يتصرف كحال هذا البطل في البداية من رفض الغش -وهو تصرف جعله محل سخرية الجميع وجعله في حالة قلق وتوتر-؟

أم يرفع شعار الغش للجميع؟

أم يرفع شعار الغش للراقصات؟

أم يرفع شعار الغش للجميع، وأما لو راقصة فنزور من أجلها لو اقتضى الأمر؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية