شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الأعمال الفنية والخطوط الحمراء

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكلما صدر نقد لعمل فني ممَّن يتبنى المرجعية الشرعية -فردًا كان أو حزبًا أو جمعية دعوية-، سارع أهل الفن إلى التترس بحجج واهية؛ منها: قولهم: إن الاتجاهات الدينية تحرِّم الفن كله (أو معظمه على الأقل)، ورفضها للعمل محل الانتقاد ينطلق من هذا الرفض؛ فلا ينبغي أن يُلتفت إليه!

ونحن بالفعل ندعو الفنانين -وغيرهم- إلى الالتزام بضوابط الحلال والحرام كاملة، وفي كل الأعمال، ولكن هناك أعمال لا تكون مشكلتها فقط في المخالفات الشرعية التي نستنكرها على معظم الأعمال الفنية، بل يتخطَّى ذلك ليكون موضوع العمل ذاته قائمًا على التحريض على الفسق والفجور، أو التحريض على الانفلات الأخلاقي، أو ما هو أفحش من ذلك من تضمن العمل للسخرية من عقيدة دينية أو شعيرة دينية أو رمز ديني.

ففي هذه الأحوال يوجد اعتباران مختلفان عن باقي الأعمال الفنية:

الأول: كون المنكرات التي فيها أشد من سائر الأعمال الفنية، بل ترقى إلى أن يعتبرها كثير من العقلاء تهديدًا لثوابت المجتمع وإفسادًا لعقول أبنائه.

الثاني: وبناءً على الوصف السابق، نجد أمامنا وسيلة إنكار يمكن استعمالها تجاه هذه الأعمال التي تبلغ تلك الدرجة من المخالفة، وذلك لوجود جهات منوط بها منع ما هذا شأنه، فناسب حينئذٍ أن نطالبها بالقيام بدورها.

وهذا يعني أن لدينا وسيلة زائدة في الإنكار في مثل هذه الأعمال البالغة السوء، والمصادمة لثوابت المجتمع، فلزم الأخذ بها.

هذا بالنسبة للاعتبارات الشرعية. وأما بالنسبة للمعايير القانونية المعاصرة فهو نوع من الإيجابية ومحاربة للسلبيات من خلال الأدوات البرلمانية التي كَفَلها الدستور والقانون، أو من خلال البلاغات للنيابة العامة، والتي صارت هي أداة إنكار المنكر التي يكفلها النظام القانوني الحديث.

ولا يظنن أحد أن هذا الفن الحديث شيء مستحدث، ومن ثمَّ فليس عندنا نصوص تبيِّن حكمه؛ فقد كانت الفنون معروفة في الحضارات القديمة؛ كما وجدت في كل الشعوب الصورة الأكثر بساطة من الفنون، وهي: "الحكي"، سواء بقصص من الواقع أو الخيال أو التاريخ، وغالبًا ما يكون الإضحاك غرضًا لكثيرٍ من هذا "الحكي"، ووسيلته السخرية من شخص أو فكرة أو قوم أو مهنة، وهي وسيلة شيطانية خبيثة يرغِّب الشيطان فيها الناس طلبًا لمتعة "الضحك" بينما هو يوقع بينهم العداوة والبغضاء؛ ولذلك حرَّمها الشرع تحريمًا قاطعًا؛ فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الحجرات: 11) .

ومن هذا الباب استثمر منافقون مبغضون للنبي -صلى الله عليه وسلم- ميل النفوس الضعيفة للتسلية بالسخرية من الآخرين، فجعلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مادة للسخرية فقالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء!".

وضعاف الإيمان رغم أنهم ليس في قلوبهم البغض للنبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لم يكن تعظيمه في قلوبهم كافيًا لكي يقطعوا لذة الحديث والسخرية و"الكوميديا" غضبًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فاستمروا في السماع.

وكانت المفاجأة أن الله حكم بكفر هؤلاء الذين كانوا قبل تلك الورطة مؤمنين، ولكن لم يمنعهم إيمانهم الضعيف من الاستمرار في سماع السخرية من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ناهيك عن الساخرين المنافقين من بداية أمرهم، فقال الله -عز وجل-: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (التوبة: 65-66) .

وكثيرًا ما يواجه المدافعون عن تلك الأعمال الانتقادات الموجهة إليها بنوع من التعامي عن أن اللغة تتضمن التعبيرات المباشرة، وتتضمن أيضًا المجاز والكناية والتورية؛ فيزعمون أن كلامهم بريء لولا تربص الناقدين!

وهم أنفسهم الذين يثنون على الكاتب في نجاحه في صنع المواقف المضحكة و"الإفيهات" الساخرة، وهي لا تٌصنع إلا بمثل تلك الإسقاطات.

ومع أن الجمهور لو حمل أعمالهم الفنية على الظاهر وتعامى عما فيها من إسقاط جنسي تارة، وسخرية من أقوام أو مهن أو نحوها تارات أخرى، لما وجد أصلًا ما يمكن أن يطلق عليه: "كوميديا"، وبالتالي فهذا الإنكار في واقع الأمر لا يغني عن أصحابه شيئًا.

ومن هذه الأعمال تعلَّم الناس الكثير من الإيحاءات الجنسية، والتي توسَّع القانون في تعريفها فجعلها تشمل: الألفاظ ذات الدلالة الجنسية أو المزدوجة، ونظرات العين وحركات الجسد التي تحمل أي دلالة من هذا النوع، ثم جعل الإتيان بها أمام الغير تحرشًا يعاقب عليه القانون، ولا يلتفت القانون لادعاء البراءة والسذاجة التي يدعيها المتورطون في تلك الأفعال عندما يواجههم بها القضاء.

بينما تفسح بعض المنصات الإعلامية لصُنَّاع الأعمال الفنية المجال ليكابروا ويعاندوا، ويدعوا براءةً ليس فيها من حقيقة البراءة شيء!

وآخر ما يلوذ به هؤلاء هو: "التترس بالليبرالية المفرطة"؛ فيدعون أن الفن لا يمكن أن يحاكم إلا بمعايير العمل الفني وفقط!

وهذا أمر يخالف واقعهم، فهم يراعون في أعمالهم الكثير من الخطوط الحمراء، ولكنهم يتمردون على مَن يطالبهم بعدم تجاوز الخطوط الحمراء دينيًّا.

وعلى فرض أنهم لا يراعون أي خطوط حمراء؛ فكان الواجب عليهم أن يراعوا الخطوط الحمراء دينيًّا -على الأقل-.

وبيان النقطة الأولى كالتالي:

الصفحة التالية