الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (18) اسم الله (السِّتِّير) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- لم يَرِد هذا الاسم الكريم "السِّتِّير" في كتاب الله -عز وجل- وإنما ورد في السُّنة النبوية: فعن يعلى بن أمية -رضي الله عنه-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) (1) .
معنى "السِّتِّير" في حق الله -تعالى-:
- قال البيهقي -رحمه الله-: "وقوله: ( سِتِّير ) يعني أنه ساتر يستر على عباده كثيرًا ولا يفضحهم في المشاهد، كذلك يحب من عباده الستر على أنفسهم واجتناب ما يشينهم. والله أعلم" (الأسماء والصفات) .
- وقال في اللسان: "والسِّتِّير: فعِّيل بمعنى فاعل، أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون، وفي الحديث: ( إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر )" (لسان العرب) .
الوقفة الأولى: نعمة الستر من الله:
- الستر من الله -تعالى- من أعظم النعم: قال -تعالى-: ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (لقمان: 20) . قال الضحاك -رحمه الله-: "أمَّا الظاهرة: فالإسلام والقرآن، وأمَّا الباطنة: فما يستر من العيوب".
- ماذا لو كشف الله ستره عنا؟ وماذا لو كان للذنوب رائحة؟ (2) : عن عطاء قال: سألت ابن عباس -رضي الله عنهما- عن قوله -تعالى-: ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً )، فقال: "أمَّا الظاهرة: فما سَوَّى من خَلْقك، وأمَّا الباطنة: فما سَتَر من عَوْرتك"، وفي رواية: "فما سَتَر من مساوئ عملك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم" (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان) . وقال محمد بن واسع -رحمه الله-: "لو كان للذنوب ريح ما قَدَر أحد أن يجلس إليَّ".
- ولهذا عاقب الله -تعالى- من يكشف ستره عليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ ) (متفق عليه) .
بل انظر إلى عظيم ستره يوم تُبلى السرائر!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَسِتْرَهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (متفق عليه) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه سبحانه (السِّتِّير):
أولًا: محبة الله "السِّتِّير" الذي يستر على عباده ولا يفضحهم، ولا يحاسبهم إلا على ما ظهر من أفعالهم أو أقوالهم (3) : قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لو تكاشفتم لَما تدافنتم". ولما نزل قول الله -تعالى-: ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (البقرة: 284) ، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا: إنَّ ذلك لا يطيقونه، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا )، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله بعدها قوله -تعالى-: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (أخرجه مسلم) .
ثانيًا: الحياء من الله -عز وجل- الذي يرى عبده وهو يعصيه، فيستره ولا يفضحه، فحريٌّ بالعبد أن يتأدب مع ربه -سبحانه- ويستحيي منه وهو يراه في جميع أحواله، ولا يخفى عليه من عبده خافية، وهذا يورثه مرتبة الإحسان في العبادة؛ ففي حديث جبريل -عليه السلام-: ( قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) (متفق عليه) . قال رجل لأحد السلف: "كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله -عز وجل- فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله -عز وجل- في قلب العباد لم يبلغها عملي".
