(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
- فالإسلام يحمل معنى الخضوع والانقياد والاستسلام لأوامر الله -عز وجل-، كما قال -عز وجل-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) (الأحزاب:36) ، وهذا الضلال في ترك الاستسلام والانقياد لأوامر الله -عز وجل- منافٍ لدين الإسلام، نعوذ بالله مِن ذلك.
- والإسلام يقتضي استسلامًا وانقيادًا وخضوعًا، وذلًا ومتابعة لأمر الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا كان مَن أبى أن يَقبل ما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الله -سبحانه وتعالى- كان رادًّا لأوامر الله، متكبرًا على شرع الله -سبحانه وتعالى-، وكان ذلك مناقضة للإسلام؛ ولذا نجد أن العبد المؤمن يرى نفسه مملوكًا لله -سبحانه وتعالى-، تحت شرعه وأمره، له -سبحانه وتعالى- عليه الأمر كما له الخلق، فكما أنه تفرد بالخلق فله الأمر: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54) .
- والعبد بحاجة إلى أن يؤكِّد معنى الاستسلام لله -سبحانه وتعالى- في نفسه كل يوم مرات ومرات، كما أمر الله -عز وجل-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .
فحاجتك أيها المؤمن إلى الاستسلام والخضوع لله مثل حاجتك إلى الطعام والشراب، وحاجتك إلى أن تجدد هذا المعنى في نفسك حاجة شديدة؛ لأن الإنسان تأخذه شهوات الدنيا بعيدًا عن القضية الأولى في حياته، وهي أن يُسلم لله وينقاد له.
فالحمد لله على نعمة الإيمان، والاستسلام والخضوع لله -عز وجل-.
- والحمد لله على نعمة إنزال القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء:9) .
- والحمد لله على نعمة الهداية بالقرآن، وإحياء القلوب به بعد موتها، وإخراجها مِن الظلمات إلى النور، كما أنه -سبحانه وتعالى- يغني قلوب عباده بما أنزل في القرآن مِن معاني الإيمان ليستغنوا عما سواه، ومِن فضل الله عليهم أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين، قال الله -تعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) (الإسراء:82) .
- فالله -تعالى- اصطفى لنا "دين الإسلام" حتى نسعد به في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:132) .
الله اصطفى لكم الدين يا أتباع النبي الأمي محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا الدين الذي أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن بقائه واستمراره؛ فيأسَ الكفار مِن إزالته وتحويله عن الظهور.
- في مثل هذه الأيام المباركة منذ نحو "14 قرنًا" مِن الزمان، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقف بـ"عرفة"؛ نزل عليه قول الله -سبحانه وتعالى-: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) .
- وهذه أيضًا نعمة هي مِن أجلِّ نعم الله علينا؛ نعمة يأس الكفار مِن هذا الدين، يأسوا مِن أن يضمحل بعد ما كان الظلام يعم الأرض، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) (رواه مسلم) . ( إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ): يعني قبْل بعثته -صلى الله عليه وسلم-.
فالإسلام بدأ غريبًا في آحاد الناس، وبدأ يستقبل هذا النور ويستجيب لهذا السراج المنير آحاد مِن القبائل؛ كانوا غرباء في وسط قبائلهم؛ فالأرض كلها على عقيدةٍ فاسدة، فكان الناس يعبدون الأوثان، ويعبدون الأحبار والرهبان، ويعبدون الصلبان، ويعبدون كل ما اشتهوا مِن دون الله؛ يعبدون أهواءهم، ويعبدون المال، ويعبدون الشهوة والشهرة؛ فجاء الإسلام بالتوحيد الخالص، جاء بتجديد ملة إبراهيم -عليه السلام-، جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحنيفية السمحة.
بدأ الإسلام غريبًا ثم نصر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهزم الأحزاب وحده، فإن الكفار كما يتحزبون اليوم على الإسلام تحزبوا في الماضي عليه واجتمعوا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده؛ قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في "حجة الوداع"، قالها على جبل الصفا، الجبل الذي وقف عليه يوم أن قام يدعوهم إلى الله ويذكرهم بيوم القيامة، ويقول: ( أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ )، قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: ( فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: "تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟!" (متفق عليه) .
فهكذا كان الإسلام في أول الأمر، ثم في يوم "حجة الوداع" كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مد البصر ما بيْن راكبٍ وماشٍ، عن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، وخلفه مثل ذلك، وامتلأت الأرض بالنور.
