(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد".
لله الحمد على ما هدانا، وعلى ما أنعم به علينا مِن أعظم نعمةٍ، بدونها كل النعم تتحول إلى نقمٍ يَشقى الإنسان بدونها ويتعس في دنياه وأخراه، الحمد لله على نعمة الإسلام؛ هذا الدين الخالص الذي هو دين الأنبياء جميعًا؛ دين أبي الخلق آدم -عليه السلام- أول البشرية، ودين نوحٍ، ودين إبراهيم، ودين موسى، ودين عيسى، ودين محمدٍ -عليهم صلوات الله وسلامه-.
قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (آل عمران:19) ، فجعل -تعالى- "الإسلام"؛ هذا الاسم الشريف المكرَّم عنده، عَلَمًا على الدين المقبول الذي لا يَقبل الله -عز وجل- دينًا سواه، كما قال: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) .
- وأوجب الله -عز وجل- على جميع خلقه أن يسلموا له -سبحانه وتعالى-: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (آل عمران:83) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) .
- فليس هناك إلا دين الإسلام الذي يقبله الله -عز وجل-، بأن يسلم الإنسان وجهته وعبادته لله وحده لا شريك له، وأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي دعا الناس إلى هذه الكلمة مجدِّدًا دعوة الأنبياء جميعًا؛ فإنهم دعوا إلى هذه الكلمة كلهم، قال -سبحانه وتعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) ، فكلهم بدأوا بالدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى-، كما قال الله عن أنبيائه جميعًا: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) .
وقال الله -سبحانه وتعالى-: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (الحج:78) .
( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ): فالله -تعالى- سماكم المسلمين مِن قبْل هذا القرآن، مِن قبْل أن تولدوا وتوجدوا. ( وَفِي هَذَا ) أي: في هذا القرآن سماكم المسلمين ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ).
فمِن نعم الله العظيمة علينا: أن جعلنا موحدين لا نشرك به شيئًا، وجعلنا نقول: "لا إله إلا الله" بسهولةٍ ورفق، فإن مَن وُلد في الإسلام، فقد أتم الله -عز وجل- عليه نعمته، وجعله مِن أول نشأته على الهداية والفطرة المستقيمة؛ فهذه نعمة لا يقدرها كثير مِن المسلمين، ولا يرون فضل الله -عز وجل- العظيم عليهم في ذلك؛ لأنهم لم يقارنوا بينهم وبيْن غيرهم ممَن لم يُؤتَ رشده، ولم يُهدَ إلى الصراط المستقيم في أول نشأته.
فله الحمد -سبحانه- على ذلك.
- ومِن نعمه علينا بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .
فله الحمد على ذلك.
- فلا يكون إسلام إلا باتباع محمد -عليه الصلاة والسلام- كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (متفق عليه) ، وهذا أمر لا يختلف فيه أهل الإسلام والإيمان، في أنه لا يُقبل صرفٌ ولا عدلٌ ممن كذَّب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو ممن أبى متابعته ورضي بدين غير ما جاء به مِن دين الإسلام.
- والدعوات الباطلة التي تنادي بأن الإنسان حرٌ في أن يأتي ما يشتهي، ويترك ما يشتهي، ويفعل ما يريد، ويترك ما يريد دون التزام بالشرع، حتى لو أقر بوجود الله؛ هذه الدعوات منافية لأصل التوحيد والإيمان، فإن الله لا يقبل مِن العباد إلا أن يسلموا له -سبحانه وتعالى-، ويستسلموا لأوامره الشرعية، ولا يقابلوها بشبهاتٍ أو شهواتٍ، ولا يعارضوها بتقليدٍ أعمى أو بمصلحةٍ أو سياسةٍ أو غير ذلك.
إنما الأمر أن يَقبلَ الإنسانُ شرعَ الله -سبحانه وتعالى- كاملًا، ورفضه لأي أمرٍ مِن أوامر الله إباءً واستكبارًا قدح في أصل الدين، وما كان كفر إبليس إلا بترك هذا الاستسلام، فقد أبى واستكبر وكان مِن الكافرين، ولا تنفعه طاعته السابقة كما لم تنفع إبليس عبادته قبْل ذلك؛ لأنه إذا ردَّ أمر الله -عز وجل- في أمرٍ واحدٍ فقد نفض يديه مِن معنى العبودية، ولا يبقى للإسلام معنى، ولا يبقى للدين معنى مع انتقاض معنى العبودية لله -سبحانه وتعالى-؛ ولذا كانت دعوة أهل الإسلام دائمًا إلى الانقياد لله -سبحانه وتعالى-، وتوجيه القلوب إلى وجهةٍ واحدةٍ، هي مرضاة الله -عز وجل-.
وأما مَن قَبِل أمرَ الله، ولكنه خالف وعصى، وهو مقر على نفسه بالذنب والمعصية، وهو يقر أنه مستحق للعقاب لمخالفته أمر الله -عز وجل-؛ فهذا نقص إسلامه وإيمانه، لكنه لم ينتفِ بالكلية؛ وذلك لأن أصل معنى الإسلام مِن الانقياد والقبول بشرع الله موجود في قلبه، وأما الكفر والردة عن الدين فبالإباء أو الاستكبار بترك القبول والانقياد القلبي الذي لا يَقبل الله -عز وجل- مِن أحدٍ سواه.
