شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ضوابط اقتناء الكلاب في الشرع وفي القانون (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وتوفر مديريات الشؤون الصحية في كل محافظات الجمهورية المصل الواقي في مستشفياتها ومراكزها مجانًا لعلاج داء الكَلَب، كما توفره وزارة الصحة في الصيدليات تحت إشراف طبي وبأسعار مدعمة لمن يحتاجه من المواطنين.

أمَّا إن ظهرت على المصاب أعراض المرض التي تنتاب الكلب المصاب فهو بذلك يصبح مصدر عدوى للآخرين؛ لذا يجب عزله في مستشفى الحميات مع الإسراع بإعطاء المخالطين لهذا المصاب المصل واللقاح الواقيين من المرض.

ونظرًا لأنَّ لقاح داء الكَلَب ليست له أية مضاعفات ويمكن أن يأخذه أي شخص بلا أي ضرر عليه، فإنه يمكن للمخالطين للحيوانات ذوات الأنياب أو المتعاملين مع الكلاب بأنواعها من الأطباء البيطريين والعاملين بالمستشفيات والعيادات البيطرية والعاملين بالمزارع وفرق مطاردة الكلاب الضالة، أخذ هذا اللقاح الواقي حمايةً لهم.

حكم اقتناء الكلاب في الشرع:

لا يجوز شرعًا اقتناء الكلب داخل البيوت والممتلكات إلا كلب الصيد وكلب الماشية أو الزرع، لما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية أخرى عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: ( قِيرَاطَانِ )، وهي رواية متفق عليها أيضًا.

قال الشيخ العثيمين في شرحه لرياض الصالحين للنووي: "وأمَّا اتخاذ الكلب وكون الإنسان يقتنيه فإنَّ هذا حرام، بل هو من كبائر الذنوب -والعياذ بالله-؛ لأنَّ الذي يقتني الكلب إلا ما استُثني ينقص من أجره كل يوم قيراطان"، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اتَّبَعَ الْجَنَازَةَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ ) قيل: وما القيراطان؟ قال: ( مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ ) (رواه البخاري ومسلم) .

فالذي يتخذ الكلب بدون ما استُثني ينقص كل يوم من أجره مثل جبلي أحد، قيراط، بل قيراطان، وهذا يدل على أنَّ اتخاذ الكلاب من كبائر الذنوب إلا ما استُثني كالصيد والحرث والماشية. فالصيد: هو الكلب المعلَّم الذي يصيد به الإنسان، فهذا يحل صيده إذا كان معلمًا، بحيث يسترسل إذا أُرسل، ويقف إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، وأن يسمي الله عند إرساله، فهذا صيده حلال، والإنسان يقتنيه لحاجة ومصلحة. كذلك الحرث: يتخذ الإنسان كلبًا يحمي زرعه لئلا تأكله الماشية فتفسده. الثالث: الماشية، يتخذ الإنسان كلبًا لماشيته سواء كانت من الإبل أو الغنم أو البقر؛ لأنه يحميها من الذئاب ويحميها من اللصوص؛ لأنه إذا رأى من يستنكره نبح فانتبه صاحبه. وكذلك لو فُرض أنَّ الإنسان يحتاج إلى حفظ مال، كإنسان في مكان ناءٍ وليس حوله رجال أمن فيتخذ الكلب فهذا لا بأس به؛ لأنَّ هذا حماية مال كالحرث، وما عدا ذلك فإنه حرام".

وأضاف أيضًا: "إنَّ اتخاذ الكلب بلا سبب شرعي كبيرة من كبائر الذنوب، ثم إنَّ نجاسة الكلب أخبث النجاسات، أخبث نجاسة في الحيوان نجاسة الكلب؛ لأنه إذا ولغ في الإناء لا يطهر الإناء إلا إذا غُسل سبع مرات إحداها بالتراب، غيره من النجاسات إذا زالت عين النجاسة طهر المحل، أمَّا هو فلا بد من غسله سبع مرات إحداها بالتراب، والله الموفق".

حكم بيع الكلاب في الشرع:

لا يجوز شرعًا بيع الكلاب. ومذهب جمهور العلماء أيضًا عدم جواز بيع الكلب المعلَّم؛ سواء كان مما يجوز اقتناؤه ككلب الصيد أو مما لا يجوز اقتناؤه. وفي الحديث المرفوع عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسنور (رواه مسلم) . والمراد بالسنور: الهرة.

وفي حديث أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" (متفق عليه) . و"مهر البغي": ما تتعاطاه الزانية على زناها فهو كسب خبيث. و"حلوان الكاهن": ما يتعاطاه الكاهن على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل.

وقد ذهب الحنفية إلى جواز بيع كلب الصيد. واحتج الحنفية على جواز بيع كلب الصيد بحديث جابر -رضي الله عنه-: "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

"فإذا امتنع الناس عن منح الكلاب إلا بالبيع وكان محتاجًا إليه لصيد أو زرع أو ماشية مما أبيح اقتناؤه لسببه جاز له أن يشتريه، مع أنه يحرم على البائع أخذ ثمنه، فيكون العقد لأحد الطرفين جائزًا وللآخر محرمًا" (راجع في ذلك: تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة، كتاب البيوع) .

قال الشيخ السيد سابق -رحمه الله-: "وإنما لا يجوز بيع الكلب لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وهذا في غير الكلب المعلم وما يجوز اقتناؤه ككلب الحراسة وككلب الزرع، فقد قال أبو حنيفة -رحمه الله- بجواز بيعه، وقال عطاء والنخعي -رحمهما الله-: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد" (فقه السنة) .

واحتج الحنفية على ذلك بحديث جابر -رضي الله عنه-: "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إِلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقد اختلف في تصحيحه، فقال النسائي: "ليس بصحيح"، وقال في موضع آخر: "منكر". "وقال الحافظ: ورجال إسناده ثقات" (فقه السنة) .

وعلل الحنفية جواز ثمن بيع كلب الصيد ونحوه بأنه في مقابل تعليم وتدريب الكلب على الصيد أو الحراسة أو الحماية لا كثمن للكلب ذاته إذ لا قيمة له.

ويجوز قتل الكلب العقور مما يجوز اقتناؤه أو لا، ولا تجب قيمته على من يقتله سواء كان كلبًا معلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أو لا، وبهذا قال جماهير العلماء؛ قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله" (المغني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية