ضوابط اقتناء الكلاب في الشرع وفي القانون (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وفي ضمان قتل الكلب قال الشوكاني: "فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب. ومن قال بجوازه قال بالوجوب. ومن فصَّل في البيع فصَّل في لزوم القيمة. وروي عن مالك -رحمه الله- أنه لا يجوز بيعه وتجب القيمة، وروي عنه أنَّ بيعه مكروه فقط. وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجوز بيعه ويضمن متلفه" (ينظر: فقه السنة) .
حكم سؤر الكلب ولعابه:
السؤر: فضلة الشرب، أي: ما يتبقى في الإناء بعد الشرب منه.
وسؤر الكلب نجس عند جمهور العلماء، وكذلك لعاب الكلب نجس، والدليل على تلك النجاسة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) (رواه مسلم) ، وفي بعض الروايات: ( إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ )، وفي بعضها: ( السَّابِعَةُ ). وروى نحوه البخاري وابن ماجه والنسائي. ومعنى الولوغ: أن يدخل الكلب لسانه في الإناء ويحركه، سواء شرب منه أو لم يشرب.
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( طُهُورُ ) دليل على تنجس الإناء بولوغ الكلب فيه، وكذلك الأمر بغسل الإناء، وكذلك الأمر بإراقة الماء.
وتطهير الإناء بعد ولوغ الكلب فيه يكون بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وأن يغسله سبعًا على أن يجعل في أول غسلة بالتراب. وورود الحديث في ولوغ الكلب فقط لا يدل على نجاسة بقية أجزاء الكلب خلافًا للجمهور. قال ابن تيمية -رحمه الله-: "والأظهر أنَّ شعر الكلب طاهر؛ لأنه لم يثبت فيه دليل شرعي" (مختصر الفتاوى المصرية) .
مغبة استصحاب الكلاب ومنع الكلاب دخول الملائكة:
عن أبي طلحة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ) (متفق عليه) . وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- أن يأتيه، فراث (أي: أبطأ) عليه حتى اشتد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخرج فلقيه جبريل -عليه السلام- فشكا إليه، فقال: ( إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ) (رواه البخاري) .
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: واعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- في ساعة أن يأتيه، فجاءت تلك الساعة ولم يأته! قالت: وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول: ( مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ )، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: ( مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ؟ ) فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأُخرج، فجاءه جبريل -عليه السلام-. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي )، فقال: ( مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ ) (رواه مسلم) .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ ) (رواه مسلم) . والملائكة المرادة بالمنع من دخول البيت أو المرافقة هي ملائكة الرحمة.
قال العثيمين -رحمه الله- في شرح رياض الصالحين: "أمَّا استصحاب الكلب فقد سبق أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب إلا الكلاب المستثناة، مثل: كلب الحرث والماشية والصيد؛ فهذه لا بأس بها".
فائدة:
ورد الأمر النبوي بقتل الكلاب أول الأمر، فلما خُشي من إبادة أمة الكلاب أو التعسف في قتلها ورد النهي عن قتل الكلاب إلا الكلب الأسود؛ إمَّا لكون الشيطان كان يتمثل به على الحقيقة، وإمَّا لكون الكلب الأسود هو شيطان الكلاب، فالشيطان من شَطَن أي: بَعُد، كما أنَّ هناك شياطين من الجن وشياطين من الإنس، فهناك شياطين من الكلاب فيها الميل إلى الإضرار والإيذاء هي الكلاب السود. ثم استقر الأمر على منع قتل الكلاب عامةً إلا ما يؤذي الناس ويضرهم كالكلب العقور. والله تعالى أعلم.
وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ ) (متفق عليه) .
- فواسق: لما تسببه من الإيذاء للناس، مما يتطلب قتلها حفظًا لحياة الناس، وسميت فواسق؛ لخروجها عما عليه سائر الحيوانات بما فيها من الضرر الذي لا يمكن الاحتراز منه.
- الحية: هي الثعبان. تخرج هي وكذلك الفأرة من جحرها في الخفاء لتفسد على الناس معايشهم.
- الكلب العقور: هو الذي يهجم على الناس ويؤذيهم، ويشمل كل ما يعقر كالأسد والذئب وغيره.
- الغراب الأبقع: أي: فيه سواد وبياض، وهو الذي يأكل الجيف، ويبدأ بالتعدي على الناس. أمَّا الغراب الأسود فلا يهاجم أحدًا.
- الحدأة: تشبه الغراب، وهي طائر يسرق حيث يخطف صغار الفراخ وما يشبهها.
- يُقتلن في الحل والحرم: بمعنى يُقتلن أينما وُجدوا فلا حرمة لها بحال.
فائدة أخرى:
جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله- لسورة الفاتحة في تفسيره للاستعاذة: "قال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان إذا فعل فعل الشياطين"، "فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرد من جني أو إنسي وحيوان شيطانًا".
وروي "أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ركب برذونًا (البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال)، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح" (تفسير ابن كثير بتصرفٍ) .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ )، فقلت: يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: ( الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ ) (رواه مسلم) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
