شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مغبة الغش على الفرد والمجتمع

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالغش في المعاملات والبيوع حرام، بل هو من كبائر الذنوب، وانتشاره في أي مجتمع آفة تهدد سلامته وبنيانه، فالغش نقص في الإيمان يجعل العبد لا يراقب ربه -عز وجل- في السر وفي العلانية، وهو فساد في الضمائر مآله إلى الخسران سواء للفرد أو للمجتمع؛ لذا ورد في السنة النبوية الوعيد الشديد لمن غش غيره، ففي الحديث المشهور على الألسنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه مسلم) .

وفي رواية لأبي هريرة -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على صُبرة طعام (أي: الكومة المجموعة من الطعام) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ( مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ ) قال: أصابته السماء (أي: المطر) يا رسول الله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه مسلم) .

وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السوق، فرأى طعامًا مصبَّرًا، فأدخل يده فيه فأخرج طعامًا رطبًا قد أصابته السماء، فقال لصاحبه: ( مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ ) قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد. قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَلَا عَزَلْتَ الرَّطْبَ عَلَى حِدَتِهِ وَالْيَابِسَ عَلَى حِدَتِهِ فَتَتَبَايَعُونَ مَا تَعْرِفُونَ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب) .

وروى أحمد والبزار والطبراني: مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطعام وقد حسَّنه صاحبه، فأدخل يده فيه فإذا الطعام رديء، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( بِعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ). وفي الحديث أيضًا عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) .

وللأسف قد امتلأت الأسواق على اختلافها وتنوعها بالغشاشين الذين يتاجرون في كل أنواع المعاملات والبيوع، ويأكلون بذلك أموال الناس بالباطل ويفسدون في الأرض؛ فكم من سلع فاسدة أو انتهت صلاحيتها يروج لها الأفاكون، وكم من مواد غذائية تضاف إليها مواد تضر بصحة المشترين، وكم من أدوية مغشوشة وبضائع مضروبة كلها تباع على أنها صالحة للاستعمال أو من أجود الأنواع، حتى امتد الغش إلى الغش في بناء المنازل والعقارات وتشييد المستشفيات وتعبيد الطرقات وبناء الكباري وغيرها. وبسبب ذلك كم من أبدان مرضت، وأرواح أُزهقت، وأموال ضاعت، فكيف بهؤلاء يوم العرض والحساب. مر أبو هريرة -رضي الله عنه- بناحية (الحرة)، فإذا إنسان يحمل لبنًا يبيعه، فنظر إليه أبو هريرة -رضي الله عنه-، فإذا هو قد خلطه بالماء. فقال له أبو هريرة -رضي الله عنه-: "كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة: خلِّص الماء من اللبن؟" (رواه البيهقي) .

وفي الحديث عن واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- قال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا إِلَّا بَيَّنَ مَا فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا بَيَّنَهُ ) (رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه) .

ومن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) يُعلم أنَّ أمر الغش عظيم، وأنَّ عاقبته على الغاش وخيمة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لا يقول ( لَيْسَ مِنَّا ) إلا في شيء قبيح جدًّا. فليتأمل هذا الوعيد الذي يُخشى منه الوقوع في الكفر كل غشاش ممن يغش في بضاعته غشًّا يخفى على المشتري، فيقع فيه المشتري من غير أن يشعر، ولو علم ذلك المشتري بذلك الغش لما اشتراه بذلك الثمن الذي دفعه فيه.

ويعد الغش في الميزان والمكيال عند البيع والشراء من أشهر صور الغش، وإن كان الغش لا ينحصر فيه، مع أنَّ المكسب الدنيوي في هذا الغش في البيع قد يكون قليلاً، فيبيع الغاش في الميزان والمكيال آخرته بمكسب بخس حرام لا بركة فيه. يقول بعض السلف في ذلك: "ويل لمن يبيع بحبة يعطيها ناقصة جنة عرضها السماوات والأرض، وويح لمن يشتري الويل بحبة يأخذها زائدة".

وفي الوعيد الشديد على هذا الغش في الميزان والمكيال قال الله -تعالى-: ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (المطففين: 1- 6) .

قال السدي -رحمه الله-: "قَدِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وبها رجل يقال له (أبو جهينة)، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله -تعالى- هذه الآية".

الصفحة التالية