مغبة الغش على الفرد والمجتمع
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لسورة المطففين: "والمراد بالتطفيف ههنا: البخس في المكيال والميزان إمَّا بالازدياد إن اقتضى الناس، وإمَّا بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر -تعالى- المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله -تعالى-: ( الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ) أي: من الناس ( يَسْتَوْفُونَ ) أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد. ( وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أي: ينقصون". وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد أمر الله -تعالى- بالوفاء في الكيل والميزان، فقال -تعالى-: ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (الإسراء: 35) ، وقال -تعالى-: ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (الأنعام: 152) ، وقال الله -تعالى-: ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) (الرحمن: 9) ، وأهلك الله قوم شعيب -عليه السلام- ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال. ثم قال الله -تعالى- متوعدًا لهم: ( أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ) أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارًا حامية. وقوله -تعالى-: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي: حفاةً عراةً غرلاً، في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله -تعالى- ما تعجز القوى والحواس عنه".
وعن مالك عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ ) (رواه البخاري ومسلم) . قال نافع -رحمه الله-: "كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يمر بالبائع فيقول: اتقِ الله وأوفِ الكيل، فإنَّ المطففين يُوقفون حتى إنَّ العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم".
والغش بأنواعه يعد صورة من صور الظلم ومن أكل أموال الناس بالباطل، يُسأل صاحبه يوم القيامة عمَّا جنت يداه بالخداع والتزوير والمكر قليلاً كان أو كثيرًا، ويُؤاخَذ على كسبه هذا الحرام: قال الله -تعالى- متوعدًا العباد: ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) (الطارق: 9) . وقال -تعالى-: ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) (القمر: 53) . وقال -تعالى-: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (الأنبياء: 47) .
ومدار الظلم على النقص، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح رياض الصالحين: "واعلم أنَّ الظلم هو النقص، قال الله -تعالى-: ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ) (الكهف: 33) ، يعني: لم تنقص منه شيئًا. والنقص إمَّا أن يكون بالتجرؤ على ما لا يجوز للإنسان، وإمَّا بالتفريط فيما يجب عليه. وبذلك يدور الظلم على هذين الأمرين: إمَّا ترك واجب وإمَّا فعل محرم" (ينظر: شرح رياض الصالحين) .
ومغبة الظلم يوم القيامة عظيمة، قال الله -تعالى-: ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) (غافر: 18) . وقال الله -تعالى-: ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) (الحج: 71) . وفي حديث جابر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه مسلم) .
وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وقد روي في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأُنَاسٍ مَعَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، حَتَّى إِذَا جِيءَ بِهِمْ جَعَلَهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، ثُمَّ يُقْذَفُ بِهِمْ فِي النَّارِ". قيل: يا رسول الله كيف ذلك؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "كَانُوا يُصَلُّونَ وَيُزَكُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا عُرِضَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْحَرَامِ أَخَذُوهُ، فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ". والغاش الذي يجتهد في إخفاء غشه وستره بعيدًا عن أعين الآخرين يخشى عليه أن يكون منهم.
ويكفي في شناعة الغش ما فيه من الإخلال بحق المسلم على أخيه المسلم: ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ ) (رواه مسلم) .
غش الراعي للرعية:
