شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مغبة الغش على الفرد والمجتمع

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

إذا كان غش الرعية لبعضهم البعض من المحرمات فأكثر منه حرمة غش الإمام لرعيته، ففي الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) . وفي الحديث عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ رَعِيَّتَهُ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )، وفي رواية أخرى: ( فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ) (متفق عليه) . وفي الحديث عن عبد الله بن مغفل المزني -رضي الله عنه- قال: أشهد لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ إِمَامٍ وَلَا وَالٍ بَاتَ لَيْلَةً سَوْدَاءَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) (رواه الطبراني بإسناد حسن) .

الغش في الامتحانات:

يعد انتشار الغش الجماعي في الامتحانات في مراحل التعليم المختلفة وباء العصر الذي عمَّ وطمَّ، وألفه الناس كما لو كان أمرًا حلالاً تختلق لأجله المعاذير، مع أنَّ فساده شرعًا وعقلاً لا يجادل فيه أحد.

فالغش فرديًّا كان أو جماعيًّا هو سلوك غير أخلاقي محرم شرعًا وقانونًا، وقد وُضعت لمنعه ومقاومته العديد من القوانين والعقوبات الصارمة خاصةً بعد التفنن في وسائل الغش الحديثة من حمل الهواتف المحمولة واستخدام السماعات اللاسلكية والسماعات الذكية التي تسهل عملية النقل أو التصوير. فهناك غرامات مفروضة على حيازة الهاتف المحمول أو أي وسائل للغش في لجان الامتحانات، وهناك عقوبات مشددة على محاولات تسريب الامتحانات أو الشروع في ذلك بأي كيفية.

إنَّ الغش:

- فيه إعانة من يغش على التمادي في انحرافه.

- وفيه فقدان المجتمع للمدرس القدوة الذي لا يسمح بهذا الغش.

- وفيه تخرج طلاب اعتادوا الغش طريق الفشل في الحياة.

- وفيه مساواة الطالب المجتهد بالطالب الفاشل.

- وفيه سريان التهاون في التعليم والتعلم بين طلاب المدارس والقائمين عليها.

وماذا ننتظر مع انتشار الغش الفردي والجماعي إلا أن يصبح لدينا أجيال فيهم كثيرون يفتقدون الوازع الديني، ولا يراقبون الله -تعالى- في حياتهم العلمية والعملية، فيحصلون على شهادات ودرجات علمية لا يستحقونها وهم ليسوا بأهل لها، فيكون منهم المهندس والصيدلي الغشاش، والطبيب، والمحاسب غير الأمين، إذ اعتاد على الغش والاحتيال من نعومة أظفاره، واستسهل هذه الطريقة للنجاح والوصول، فصارت هي ديدنه الذي لا يعرف سواها في حياته.

لقد استفحل الأمر وصار يشارك فيه وينميه كثيرون من أولياء الأمور ومن المراقبين في لجان الامتحانات، حتى صار الغش أزمة يعاني منها المجتمع في كل موسم من مواسم الامتحانات وفي كل سنوات الدراسة المختلفة. وصارت حديث كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، حتى بلغ الأمر ذروته بظهور أعمال درامية تتعرض للموضوع تثير الكثير من اللغط والجدل.

إنَّ للغش آثاره السيئة على الفرد الممارس له المعتاد عليه، ومنها:

- السطحية في الحياة وفقد جدية الاهتمام بأمور الحياة.

- فقد القدرة على الدخول في المنافسات الشريفة في جوانب الحياة المختلفة، والبحث عن طرق - الاحتيال للوصول إلى تحقيق المطلوب بلا جهد أو تعب.

- مكابدة القلق نتيجة الخوف من انكشاف أمر الغش أو الاطلاع عليه.

- تحقيق نتائج وشهادات ودرجات علمية زائفة لا تمثل المستوى الحقيقي لصاحبها.

- التعرض للوقوع تحت طائلة العقوبات التي تؤثر على مستقبل الفرد الدراسي.

- التعرض للعقوبات الأخروية يوم القيامة إذ الغش كبيرة من كبائر الذنوب.

- وللغش آثاره السيئة على المجتمع ككل، ومنها:

وقوع الظلم المادي والأدبي على الطلاب المجتهدين المتفوقين بمساواة غيرهم بهم أو تقديمهم عليهم.

انتشار الانفلات الأخلاقي في المجتمع؛ خاصةً أنَّ الغش يجر معه موبقات أخرى من الرشوة والخداع والاحتيال وما شابه.

- التراجع العلمي والثقافي والحضاري للمجتمع بانتشار الغش بين أفراده في سن التحصيل والتعلم.

- انعدام الثقة بين أفراد المجتمع بعد أن صار الغش سمة سائدة في أبنائه.

وقد سئل الشيخ عطية صقر -رحمه الله- رئيس لجنة الفتوى بالأزهر: ما حكم الدين في محاولات الطلاب للغش أثناء الامتحانات، وهل يجوز للملاحظين أن يساعدوهم نظرًا لصعوبة الامتحان؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية