مراعاة أوامر الله -تعالى- ونواهيه وحدوده
الشيخ علاء بكر • التزكية
( وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ ): أي الأمور التي لم يرد فيها نص بالتحريم أو الوجوب؛ فالأصل فيها الإباحة والعفو. قال ابن رجب -رحمه الله-: "وأما المسكوت عنه فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه، لا حرج على فاعله".
تنبيهان:
1- قال ابن رجب -رحمه الله-: "ولكن مما ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيء بالتحليل والتحريم مما قد يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص والتصريح، وقد تكون بطريق العموم والشمول، وقد تكون دلالته بطريق الفحوى والتنبه، كما في قوله -تعالى-: ( وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ) (الإسراء: 23) ، فإن دخول ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأولى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة".
وأضاف: "وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نص الشارع -صلى الله عليه وسلم- على حكم في شيء لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجودًا في غيره، فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله وأمر بالاعتبار به؛ فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم. فأما ما انتفى فيه ذلك كله فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنه معفو عنه".
2- قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: "وفي قوله: ( وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ ) دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله يتكلم بصوت مسموع؛ لأن السكوت هو ضد الكلام، وهو -جل وعلا- يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، لا نعلم كيف يتكلم، ولا نعلم متى يتكلم، ولا نعلم بماذا يتكلم، لكن نؤمن بأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون؛ ولهذا لا تحصى كلمات الله -عز وجل-. قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ) (لقمان: 27) ، وقال -عز وجل-: ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) (الكهف: 109) " (راجع شرح رياض الصالحين للعثيمين) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ ): يعني أنه سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا، حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حرج عليهم، وإن تركوها كذلك. قال تعالى: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (مريم: 64) ، وقال تعالى: ( فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) (طه: 52) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) يحتمل:
- اختصاص هذا النهي بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن كثرة السؤال عما لم يذكر قد يكون سببًا لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم.
- أن يكون النهي عامًّا؛ فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يوجب اعتقاد تحريمه أو إيجابه لمشابهته بعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية فيه وترك البحث عنه والسؤال خير. وقد يدخل في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) قالها ثلاثًا (رواه مسلم) . والمتنطع: هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه.
قال ابن رجب -رحمه الله-: "والتحقيق في هذا المقام -والله أعلم- أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر، فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني: أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجود الفروق المستبعدة، فيفرق بين متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة، ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضي ولا محمود، مع أنه قد وقع فيه طوائف من الفقهاء" (راجع جامع العلوم والحكم) .
فائدة:
ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب، وقد قال -عز وجل-: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (الإسراء: 44) ، ولا يجوز أن يقال: كيف تسبيح القصاع والثياب المنسوجة والخبز؟ فكل ذلك قد صح العلم أنهم يسبحون الله -تعالى-، فذلك إلى الله -تعالى-، يجعل تسبيحهم كيف شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر به الله -تعالى-، ولا يزيدوا على ذلك.
ومما يدخل في المنهي عنه كثرة السؤال تعنتًا، خاصة عما لا يحتاج إليه أو لم يقع بعد، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ) (متفق عليه) .
ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله -تعالى- عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن وقت الساعة، والسؤال عن الروح، وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ) (متفق عليه) . وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. (متفق عليه) .
