مراعاة أوامر الله -تعالى- ونواهيه وحدوده
الشيخ علاء بكر • التزكية
وقد يرى البعض أن ذلك كان مختصًّا بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما يُخشى حينئذٍ من تحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-، ولكن -والله أعلم- ليس ذلك وحده السبب في كراهة تلك المسائل؛ إذ إن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم قد بينه الله -تعالى- في كتابه، وبلغ ذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم- عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحدٍ في السؤال، فكل ما فيه هداية العباد ونفعهم قد بيَّنه الله -تعالى- ابتداءً من غير سؤال من العباد، كما قال -تعالى-: ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) (النساء: 176) . وعليه فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه، وإنما الحاجة المهمة تكون إلى فهم ما أخبر الله -تعالى- به ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم اتباع ذلك والعمل به.
قال ابن رجب -رحمه الله- في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ): "فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فيكون همه مصروفًا بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره. وهكذا كان حال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة. فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر" (راجع المصدر السابق) .
ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك. خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على الناس فقال: "أحرج عليكم أن تسألونا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلاً". وكان زيد بن ثابت -رضي الله عنه- إذا سئل عن شيء يقول: "أكان هذا؟" فإن قالوا: لا، قال: "دعوه حتى يكون". وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه قال: "يا أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهبكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، أو قال: وفق".
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمين: فمن أتباع أهل الحديث مَن سدَّ باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك وكثرة الخصومات فيه والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والدقائق وغير ذلك. وهذا هو طريق الإمام أحمد -رحمه الله- ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال" (راجع المصدر السابق) .
وأضاف ابن رجب -رحمه الله-: "واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هي من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة: فمَن امتثل ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث وانتهى عما نهى وكان مشتغلاً بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم" (راجع المصدر السابق) .
