الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (22) اسم الله (الْعَلِيم) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائة إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- ورد اسم الله (العليم) في القرآن الكريم مائة وسبعًا وخمسين مرة: من ذلك قوله -تعالى-: ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (البقرة: 32) ، وقال -تعالى-: ( قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (الأنبياء: 4) .
- معنى (الْعَلِيمُ) في حق الله -تعالى-: قال صاحب اللسان: "هو الله العالم بما كان وما يكون قبل كونه، وبما يكون وما لم يكن بعد قبل أن يكون، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها، دقيقها وجليلها على أتم الإمكان".
وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وَهُـوَ الْعَـلِيـمُ أَحَاطَ عِـلْمـًا بِالَّـذِي فِي الْكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ
وَبِـكُـلِّ شَــيْءٍ عِــلْـمُـهُ سُـبْحَانهُ فَهْوَ الْمُحِيطُ وَلَيْسَ ذَا نِـسْيـَانِ
وَكَـذَاكَ يَعْـلَمُ مَا يَكُونُ غَدًا وَمَـا قَدْ كَانَ وَالْمَوْجـُودَ فِي ذَا الْآنِ
وَكَذَاكَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَـكـُونُ ذَاكَ الْأَمـْـرُ ذَا إِمـْـكـَانِ
الوقفة الأولى: ذكر بعض متعلقات علم (الْعَلِيمُ) -عز وجل- في خلقه:
أولاً: شمول علم (الْعَلِيمُ) لكل شيء في السماوات وفي الأرض: قال -تعالى-: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (سبأ: 3) . وقال -تعالى-: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (الأنعام: 59) .
ثانيًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- المحيط بمكنونات القلوب، وما تخفيه الصدور، وما توسوس به النفوس: قال -تعالى-: ( قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران: 29) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (ق: 16) .
ثالثًا: علم (الْعَلِيمُ) -سبحانه- لكلِّ الأشياء قبل وقوعها، وأن ذلك في كتاب، وله الحكمة البالغة في تقديرها: قال -سبحانه-: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (الحديد: 22) .
رابعًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- ما كان وما يكون وما لم يكن، لو كان كيف يكون: أي: أنه -سبحانه- يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور؛ قال -تعالى-: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر: 49) ، وقال -تعالى-: ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (التوبة: 47) . ولذلك كان الإمام أحمد -رحمه الله- يوصي من يخاصم القدرية بقوله: "حاجوهم بالعلم"، أي: اسألوهم: هل الله -عز وجل- علم بالأشياء قبل وقوعها؟ فإن أقروا خصموا، وإن نفوا العلم كفروا.
خامسًا: هذا العلم الذي يعلمه الإنسان، المحدود من علوم الدين والدنيا، إنما هو من تعليم الله -تعالى- له واختصاصه إياه بالعقل، وقابليته التعلم، وإلا فالإنسان كما قال عنه خالقه -عز وجل-: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (النحل: 78) . وما أحسن ما وصف به الخضر -عليه السلام- علم الإنسان بالنسبة إلى علم خالقه -عز وجل-، حينما قال لموسى -عليه السلام- وهو يرى طائرًا ينقر في البحر ليأخذ من مائه: ( إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ... مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ ) (متفق عليه) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الْعَلِيمُ):
أولاً: الخوف من الله -عز وجل- وخشيته، ومراقبته في السر والعلن؛ لأن العبد إذا أيقن أن الله -تعالى- عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله -عز وجل- ظاهرًا وباطنًا، فعند ذلك تزكو أعمال قلبه وجوارحه ويصل إلى مرتبة الإحسان الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) (متفق عليه) .
ثانيًا: اليقين بشمول علم الله -تعالى- لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله -تعالى- وإجلاله والحياء منه.
